لماذا يخون الشخص حبيبه

الخميس 2015/11/05

أقرأ هذه الأيام رواية صادرة حديثا لكاتبة هولندية معروفة تدعى كوني بلمن، تتناول سيرة حياة أشهر زوجين شاعرين في الأدب الحديث هما الشاعرة الأميركية سيلفيا بلايث وزوجها الشاعر الإنكليزي تيد هيوز. ومعروف أن سيلفيا بلايث انتحرت بسبب “خيانة” زوجها لها، بعد علاقة حب عاصفة وزواج استمر 7 سنوات وأثمر طفلين.

أعادتني الرواية إلى سؤال معقد وبسيط في نفس الوقت: لماذا يخون الشخص حبيبه؟ وما الذي يدفع شخصا يرتبط بعلاقة حب حقيقية مع أحدهم إلى خيانته؟

أظهرت دراسة هولندية حديثة قام بها طبيب نفسي يدعى هنك نورت، أن في هولندا وحدها يوجد أكثر من مليون ونصف مليون طفل من علاقات غير شرعية، ولا يقصد بها هنا خارج الزواج، ولكن من علاقات عابرة ودون ارتباط حقيقي. كما أظهرت الدراسة أن نسبة “الخيانة” (الزوجية) في المجتمع الهولندي تصل إلى 31 بالمئة، أي أن واحدا من كل ثلاثة أشخاص يقوم ب”خيانة” شريكه، مرة واحدة على الأقل في حياته. وبينت الدراسة نفسها أن نسبة تعرض الشخص لإغراءات “الخيانة” في حياته تتراوح بين 40 و70 بالمئة وأن 30 بالمئة من حالات الانفصال بين الأزواج تعود إلى “خيانة” أحدهم للآخر.

طبعا تبقى هذه الأرقام نسبية نظرا لحساسية الموضوع، فمعظم الذين يخونون لا يصرحون، حتى ولو للباحثين، بحقيقة خيانتهم، لكنها مع ذلك تعطي صورة ولو تقريبية عن حجم ظاهرة “الخيانة” وتفشيها في المجتمعات، وانعكاساتها ومسبباتها، وهناك بحوث علمية جدية تحاول الإجابة على سؤال: لماذا يخون الأشخاص بعضهم؟

بروفيسور يوهان كارمنس، أستاذ علم النفس الثقافي والاجتماعي بجامعة نيمغن الهولندية، يعتقد أن “خيانة” الشخص لشريكه ليس دليلا على وجود خلل في علاقتهما، وإن “الخيانة” تحدث بغض النظر عن مدى حب أو ارتباط الأشخاص بعلاقات جدية. وحسب الباحث نفسه فإن “الخيانة” تنتج عن عدم تحكم الشخص في منطقة معينة من المخ، حيث يوجد جهاز التحكم المعرفي. واستنتج البروفيسور أنه بالإمكان قياس حجم التحكم بإجراء اختبار معين من بينه مثلا كتابة “أزرق” باللون الأحمر، وأن الاشخاص الذين يجتازون هذا الاختبار أقدر على مقاومة إغراءات “الخيانة” من غيرهم.

أهم ما توصلت إليه هذه الدراسة، حسب رأيي، أن بإمكان الأشخاص الذين يعانون من عدم القدرة على مقاومة إغراءات “الخيانة” أن يحسنوا من آداء جهاز التحكم المعرفي لديهم، بواسطة التأمل العميق، والاستغراق في أنشطة معينة. أي أن التدرب على مقاومة “الخيانة” ممكن لمن يرغب به.

أما الشيء الثاني المهم في هذه الدراسة، فهو أن “خيانة” الشخص لشريكه لا تعني أنه لم يعد يحبه أو أنه ليس جديا في علاقته به، بل إن أسبابا أخرى موضوعية تقف خلف ذلك.

أضع “خيانة” بين نبرتين، لأن حجم تفشي هذه الظاهرة واستمرارها على مدى التاريخ البشري، يخرجها من خانة الاستثناء إلى خانة المعتاد، ومن خانة “الأخلاقي” إلى خانة “الإنساني”، وهناك من يعتقد كما نعرف أن الإنسان كائن متعدد العلاقات بطبعه، وأن إقحامه في علاقات ثنائية، لدواع اجتماعية وحضارية، ضد طبيعته، ولهذا “يخون”.

21