لماذا يرابط البعض في مرسى الحب بعد مغادرة الشريك بغير رجعة

أغلب العلاقات العاطفية لا تنتهي بتوافق الطرفين والطرف المهزوم يجد صعوبة في مواجهة الناس بحقيقة أن الشريك قد هجره.
الأربعاء 2018/08/15
اجترار حبال أمل لا رجاء منه

لا وجود لضرر من الوقوع في الحب، إنه قدر أو صدفة، خيار ربما أو خيال يتحول بين ليلة وضحاها إلى حقيقة. لا يهم إذا أدى هذا الحب إلى نهاية سعيدة، أو إلى فراق تتبعه قطيعة بين الطرفين، كي يذهب كل طرف إلى حال سبيله يبحث عن حب جديد قد يكتب له الدوام، أو يبحث عن أمل جديد يستطيع أن يواصل به حياته في استغناء تام أو جزئي عن الحب

المشكلة الحقيقية تكمن في من يبقى مرابطا على مرسى الحب في الوقت الذي يترك فيه شريكه الميناء بما فيه من سفن مغادرا من دون رجعة. عندما يقع أحد ما في هذا الشرك، فإنه سيء الحظ بالتأكيد حيث يزين له خياله أملا جديدا في كل لحظة وترسم له أوهامه دروبا بديلة للالتفاف على الفراق، في محاولة لإعادة الحبيب الضال من رحلة اختارها بإرادته ولا نية له في الرجوع. فلماذا يبقى الطرف الثاني في الانتظار؟ وكيف يزين له وهمه أملا كاذبا مثل هذا؟

في مقالها الأخير في مجلة “علم النفس” الأميركية، تؤكد الدكتورة راندي غونذير؛ طبيبة نفسية ومستشارة علاقات أسرية، أن أغلب العلاقات العاطفية لا تنتهي بتوافق الطرفين ونتيجة لذلك قد يغادر أحد الطرفين إلى غير رجعة، في الوقت الذي يبقى فيه الطرف الآخر مرابطا أو عالقا في وهم ما تزيّنه له الأوهام، التي تمنعه من رؤية الحقيقة على علاتها؛ بأن كل شيء انتهى بالفعل ولا مفرّ من مواجهة الأمر والبدء ببناء حياة جديدة.

ومع أن العيش داخل شعور بالخسارة والفقد أمر مزعج ومحزن للغاية، إلا أن التمسك بحب شخص لا يعبأ بنا وربما لم يعد يضمر لنا مشاعر من أي نوع، هو ظلم للذات وجلد لها وسيجعل من نسيان الماضي وتجاوز مشاعر الفقد أمرا شبه مستحيل، إذ أن تغذية الوهم بما تبقى من مشاعر ما زلنا نكنها للشريك السابق والأمل في إمكانية استئناف العلاقة مرة أخرى هما ما يجعلان الأمور عسيرة.

ويتحدث علماء النفس بصورة مسهبة عن السجن الذي يضع فيه البعض مشاعرهم، السجن الذي يبقى في داخلهم أو يعيشون داخله، لا فرق، وهو الذي يعرقل شفاء جرح المشاعر، فعلاوة على أن بعض الناس يجدون صعوبة في تجاوز هذه المرحلة العسيرة بفقدان الحبيب والتعوّد على ممارسة الحياة من دون وجوده، إلا أن هذه العثرة يمكن تجاوزها بالفعل ببعض الصبر والكثير من الوقت ربما، لكنها في النتيجة ستنتهي مثلها مثل الحزن؛ الحزن الذي يرافق فقدان أعزاء بالموت أو الرحيل أو لأي سبب كان، فهل هناك أقوى من خسارة الموت؟ بالتأكيد لا، فإذا كنا قادرين على تجاوز هذا الأمر فلماذا لا يمكننا بالمثل تجاوز الخسارة في علاقة حب؟

وفي تعقيبها على هذا السؤال، تذكر غونذير العديد من الأمثلة لأناس تعاملت معهم وقدمت لهم الدعم النفسي، وأهم ما في ذلك أنها أعانتهم على فهم أساس المشكلة والسبب الذي يجعلهم يستمرون في حب شريك لم يعد يهتم بالبقاء معهم.

التمسك بحب شخص لا يعبأ بنا، هو ظلم للذات وجلد لها وسيجعل من نسيان الماضي وتجاوز مشاعر الفقد أمرا شبه مستحيل

وتبين لها أن هناك أسبابا ربما تعد قاهرة لرغبة هؤلاء في استمرار اجترار حبال أمل لا رجاء منه وأهمها؛ اعتقاد البعض أن الشريك في العلاقة هو شخص لا يشبهه أحد، متفرد ومتميز ومثالي ولا يمكن أن يحل محله كائن من يكون، لكنهم في الحقيقة الوحيدون الذين لا يرون عيوبه وأخطاءه وهفواته لأنهم يرونه بعين الحب العمياء!

لهذا، يبقى المحب يعطي كل شيء إلى هذا الحبيب المثالي لا ينتظر منه مقابلا ولا يتوقع منه تقديرا، فالعطاء في الحب لديه بلا حدود، وهو قد يبذل في سبيل ذلك كل ما من شأنه أن يقيم خط سير حياته في وجوهه المتنوعة، قد يهمل علاقاته الاجتماعية والأسرية، يترك هواياته المفيدة، يفشل في عمله وربما يهمل في صحته الشخصية أي أنه يضع البيض كله في سلّة واحدة، ثم حين يأتي وقت الفراق من دون سابق إنذار أو تبرير مقنع تكون الخسارة عندئذ فادحة، وحتى يتجنب الخسارة الفادحة فإنه يستمر بالتظاهر على أن الحب يمرّ بأزمة قصيرة وسيعود كل شيء كما كان، فقط ليتجنب مواجهة نفسه بالخسارات المرافقة لخسارة العلاقة.

من جانب آخر، يميل بعض الأشخاص إلى إيجاد العذر دائما للأخطاء التي يرتكبها الشريك في حقهم، وهم بذلك يبررون أفعاله على أنها حالات وقتية سرعان ما تنتهي وتعود المياه إلى مجراها، ومع التعوّد على هذا فإن أي غياب للآخر يفسر على أنه حالة طارئة تشبه سابقاتها، لهذا تبقى الأمور معلّقة على الدوام ويبقى الأمل في عودة أخرى محتملة، حتى وإن كان الخلاف هذه المرة في أوجه، التشبث بهذا النوع من الأمل يعد أمرا محزنا وغير عقلاني لأن الشريك قد لا يعود إلى العلاقة ويتركها إلى غير رجعة.

أكثر من ذلك، ربما يلقي الماضي بظلاله على الحاضر، أي أن بعض الأشخاص عندما يتعرضون لمثل هذا الموقف ويتركون لوحدهم في خضم علاقة مقطوعة الآمال، فإنهم سرعان ما يعودون بذاكرتهم إلى تجربة الفقدان ذاته في علاقة سابقة مع كل ما رافقها من ألم وخذلان، لهذا فإنهم يواجهون صعوبة في تقبّل الخسارة مجددا فيبدؤون بلوم ذواتهم باعتبارهم هم المتسببون في ذلك.

فضلا عن ذلك، فإن العلاقة ربما كانت من الصدق بحيث أن التخطيط للمستقبل كان واردا حتى لدى مجتمع الأسرة والأصدقاء المحيطين بهم، حينها يصبح من العسير التعامل مع فكرة فقد الشريك أمام أنظار هذه الحلقة الاجتماعية، فالبعض يجد صعوبة في مواجهة الناس مجددا بحقيقة أن الشريك قد هجره إلى غير رجعة وبأنه سيعود وحيدا للظهور في مناسباتهم الاجتماعية، معرضا نفسه لنظرات الشك والعطف وهي الأشد قسوة بالطبع.

ولهذا السبب تحديدا، يحاول الطرف المهزوم في العلاقة التظاهر بأن الأمور ما زالت على ما يرام وأن الشريك سيعود مجددا، يوما ما لاستئناف العلاقة.

21