لماذا يراوغ الغرب في سوريا ويحسم أمره في أوكرانيا

الأربعاء 2014/03/05

أدرك الأوروبيون أن أكبر حقيقة جيوسياسية في العقد المقبل هي فصل الولايات المتحدة نفسها عن العالم، وستكون الولايات المتحدة سيكولوجية بقدر ما هي مادية، كما كانت في السابق تتكفل بنحو 70 في المئة من تكاليف الناتو، بينما تتكفل أوربا فقط بنحو 30 في المئة، ومنذ مشاركة الناتو في إسقاط القذافي حدث هناك جدل بين الجانبين، واحتجت الولايات المتحدة بأن تستمر في تمويل الناتو بنفس النسبة السابقة، ولن تتحمل نفقات إسقاط القذافي بنفس النسبة السابقة.

وأوروبا بعد الحربين العالميتين على أرضها أصبحت عازمة على أن تحول نفسها إلى سويسرا كبرى، وكل الجهود السياسية بذلتها في الحفاظ على بقاء اليورو، وتدرك أن المستقبل يعد بنمو بطيء، وتقشف في المالية العامة، ولا يزال هناك مزيد من الجدل حول الشكل النهائي للاتحاد النقدي، ولم تعد لديهم الرغبة في خوض مخاطر ومغامرات خارجية، ولكن عليها أن ترعى شؤونها في حديقتها الخلفية في أوكرانيا دون انتظار للموقف الأمريكي كعادتها في العديد من الملفات والقضايا الساخنة حول العالم مثلما حدث في سوريا، وإذا كانت سوريا ليست حديقة مجاورة لأوروبا ولكنها منطقة حيوية تهتم بها الولايات المتحدة ولن تستطيع التدخل دون موافقة وإذن الولايات المتحدة، ولكن أوروبا تعتبر أوكرانيا حديقة مجاورة وستؤثر عليها الفوضى الجارية فيها ولن تنتظر موافقة الولايات المتحدة رغم أن ذلك يصب في مصلحة الولايات المتحدة في محاصرة روسيا وتقليص هيمنتها الجيوبولتيكية.

وأوروبا مثلها مثل أوكرانيا تعتمد اعتمادا أساسيا على استيراد الطاقة، ودول الجوار الواسع لأوروبا لديه 60 في المئة من احتياطيات النفط الثابتة في العالم، و80 في المئة من الغاز العالمي بناء على حسابات مركز FRIDE، وهو ما يجعلها تهتم بترتيب مثل تلك العلاقات للحصول على احتياجاتها من الطاقة بأرخص الأسعار لمنافسة القدرة التنافسية للولايات المتحدة بعد توفر الغاز الصخري في الولايات المتحدة بربع الأسعار في أوربا.

واستخدمت أوروبا العصا الغليظة في التعامل مع القمع في أوكرانيا بعد حالة من التردد وشجعت الإصلاح السياسي، بينما ترى أو تدعي أوروبا أنها لن تستطيع قلب موازين القوى العسكرية في سوريا، ولا يمكن أن تقدم مساعدات في مجال اللوجستيات والاستخبارات والاستهداف دون علم الولايات المتحدة أو التنسيق معها، رغم أنها ثاني أغنى منطقة في العالم، وتمتلك قدرات اقتصادية وعسكرية ودبلوماسية، وبالفعل تدخلت فرنسا في مالي بموافقة الولايات المتحدة، والآن هناك تدخل أوروبي في أفريقيا الوسطى، بسبب أن أفريقيا سوقا ضخمة وتمتلك إمكانات هائلة من الثروات ويمكن أن تلحق بالأسواق الناشئة خلال العقد القادم مستبقة تواجد الصين في أفريقيا أو على الأقل حتى لا تستفرد الصين بالاستثمار في أفريقيا، وتحتاج أوربا إلى مزيد من التنسيق بين دولها لذلك شهد نهاية فبراير 2014 توقيع برلين على التزام فرنسي – ألماني لتوسيع التعاون في السياسة الخارجية.

وبدأت خيارات بوتين تتقلص بعد سقوط نظام حليفه يانوكوفيتش، خصوصا بعد تحذير الولايات المتحدة روسيا من الإقدام على أي عمل عسكري مثلما حصل من قبل في جورجيا، رغم أن أوكرانيا مفلسة وتحتاج إلى مساعدات بـ 35 مليار دولار خلال عامين، وموسكو تهدد كييف بالزيادة في رسومها الجمركية في حال التقارب مع أوروبا، ورغم ذلك فإن آشتون ممثلة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي تواجدت في ساحة الاستقلال وسط كييف في 24 فبراير 2014، وهي الساحة التي شهدت مواجهات دامية بين المحتجين والشرطة، ورعت أوروبا سلاما أوكرانيا وقع عليه يانوكوفيتش على مضض، وتعمد ممثل بوتين الغياب، ودعت آشتون وبان كي مون إلى الحفاظ على وحدة البلاد.

وأخيرا نسمع من الرئيس الأميركي أن الأزمة السورية تمس الأمن الأميركي بعد الضغط السعودي والتوجه شرقا، وكانت أول خطوة إيجابية اتخذت تجاه الأزمة السورية بعد فشل جولة جنيف 2 هي موافقة مجلس الأمن بالإجماع على قرار لتوصيل المساعدات الإنسانية إلى السوريين، صاحبه تهديد من قبل دول رئيسية مثل بريطانيا وفرنسا وأميركا باتخاذ خطوات أخرى، بعدما نددت دول الخليج بمعالجة الوضع الأوكراني في زمن قياسي، بينما استمرت الأزمة السورية ثلاث سنوات، ولا زالت قائمة ضمن معايير مزدوجة، لكن من أجل تبيض وجه أميركا استدركت المندوبة الأميركية في مجلس الأمن بقولها إن القرار غير مسيس ولا أيديولوجي وانتقدت استغراق مجلس الأمن ثلاث سنوات لإصداره، في المقابل رحبت السعودية بقرار مجلس الأمن برفع الحصار عن المدن السورية لتحفيز المجتمع الدولي.

7