لماذا يربط نجاح المرأة في العمل الصحافي بأنها فضولية بالسليقة

كشفت العديد من الدراسات أن مهنة الصحافة والإعلام من أكثر المهن صعوبة وإرهاقا وتأثيرا على الصحة غير أن شقاء العمل الصحافي لم يمنع النساء من الدخول إلى هذا الميدان الحيوي نظرا لأهميته ودوره في بناء الدول والمجتمعات من خلال نشر المعلومة وفي توجيه الرأي العام. أهمية وشقاء العمل الصحافي جعلا الكثيرين ممن يستنكرون وجود نساء صحافيات في وسائل الإعلام بتنوعها العربية والغربية يجزمون أن المرأة لا يمكن أن تبلغ قمة النجاح في مهنة شاقة ومرهقة مثل الصحافة. كما يحصرون نجاحها الصحافي في نوعية البرامج الاجتماعية والترفيهية وأحيانا يقال إن اتصاف المرأة بالفضول هو الذي يجعلها تواصل في ميدان الإعلام، لكنهم دوما يرجحون احتمالات فشلها أمام طبيعة العمل الصحافي الشاق.
الأحد 2016/05/22
وجود المرأة في الميدان الصحافي تظل منقوصة مقارنة بالرجل

تحقق العديد من الصحافيات في وسائل الإعلام بأنواعها والمراسلات نجاحات بارزة ويحظين بمسيرات مهنية ناجحة ومشرفة رغم أن كثيرين لا يؤمنون بقدرة المرأة على التفاعل إيجابيا مع ضغوط العمل الصحافي وصعوباته سواء كان دور الصحافي التحرير أو الإعداد في المكتب أو الخروج لتغطية الأحداث والأخبار كمراسل على الميدان أو كمحاور لشخصيات بارزة في المجتمع أو كمنشط للمنوعات.

ورغم تفاوت شقاء المهنة حسب المكان إلا أن الصحافي المراسل يظل أكثر المباشرين للمهنة عرضة للإرهاق والتعب وأحيانا للخطورة إذا ما كلف بمواكبة الأحداث في أماكن ساخنة أو بؤر للتوتر والنزاع المسلح والحرب وغيرها. وتعمل المرأة الصحافية كمراسلة ليس فقط في الدول الغربية وفي وسائل الإعلام الغربية بل أيضا في الدول العربية ومنابرها الإعلامية فتجدها في مواقع الحرب والنزاع مثل زملائها من الرجال بل لا يمكن أن يلاحظ الفرق بين الجنسين من حيث الجرأة والشجاعة.

في السنوات الأخيرة لفتت المرأة الصحافية إليها أنظار العالم خاصة في الدول العربية حيث ارتفعت أعداد الصحافيات والمراسلات على الميدان في مناطق التوتر مثل ليبيا وسوريا واليمن والعراق وغيرها ولم تكن فقط مصادر للأخبار بل إنهن كنّ مواضيع الأخبار في حالات تعرضن فيها للاعتداء أو تضررنا من الأحداث ومن القصف مثلا أو تعرضن للاختطاف والسجن والتتبعات القضائية، فقد تم استهداف الصحافيين في العديد من مناطق النزاع المسلح وكانوا هدفا للقوى النظامية وأحيانا للعصابات الإرهابية المتناحرة.

ورغم أن تمثيلية المرأة في الميدان الصحافي تظل منقوصة مقارنة بالرجل ورغم أن وجودها كمراسلة في المناطق المضطربة أمنيا ضئيل مقارنة بالمراسلين إلا أنه لا يمكن تجاهل وجودها وتجاهل جرأتها وشجاعتها التي تلفت أنظار الجماهير وتثير تساؤلات الفئات الاجتماعية -المحافظة منها بالأساس- عن أسباب وكيفية تواجد امرأة في مناطق الخطر في حين يشتغل الرجال في المكاتب والأستوديوهات.

من جانب آخر تفطن الرأي العام عقب الحوادث التي تعرض لها الصحافيون إلى أن هؤلاء، وخاصة منهم النساء، يعرضون أنفسهم وحياتهم إلى المخاطر والقتل والتهديد في ظل منظومة حقوقية هشة لا تمنحهم الحماية اللازمة من العنف الممارس ضدهم.

بعيدا عن معاناة المرأة في العمل الصحافي فإنها تقابل أحيانا باستنكار لنجاحها في المجتمعات الذكورية، بل لا يقدر عملها حق قدره وإن كان لا مفر من الإقرار والاعتراف بنجاحها فإن البعض يقولون إنه أمر طبيعي لأن المرأة فضولية بطبعها وتعشق الأسئلة وطرحها لتشبع غريزتها في معرفة كل شيء يعنيها أو لا يعنيها

وكانت أبحاث ودراسات متعددة خاصة بالمجال الصحافي وبعمل الإعلاميين قد أكدت أن الصحافيات يستهدفن أكثر بالتهديد والعنف وذلك حتى عبر الإنترنت وفي جميع تخصصاتهن. فالصحافي يهدد بالقتل والخطف وغيرها أما الصحافية فتهدد إلى جانب ذلك بتشويه جمالها وسمعتها أو الاعتداء عليها واغتصابها وهي تهديدات تكون مضاعفة من حيث الكمّ والحدة والقسوة عند توجيهها لصحافية رغبة في استغلال كونها أنثى ويمكن تخويفها بسهولة في تصور مهدّديها مهما كان انتماؤهم.

وخلال اليوم العالمي لحرية الصحافة في 3 مايو الماضي أثارت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة “يونسكو”، قضايا تمثيل النساء في مجال الصحافة وكذلك تأمين حمايتهن في أوقات الاضطرابات والأحداث الساخنة.

وأطلقت المنظمة الدولية دعوة إلى زيادة تمثيل النساء في مجال الصحافة، فضلا عن حماية أكثر لحقوق الصحافيات ووقف “العنف” الممارس ضدهنّ. وطالبت اليونسكو بتفعيل “منهاج عمل بكين” الذي صدر عام 1995، وطالب بزيادة مشاركة المرأة في العمل الصحافي وتحسين فرصها للتعبير عن آرائها، والتشجيع على تقديم صور متوازنة للمرأة في وسائل الإعلام.

وتقول المنظمة إنه “بعد عشرين عاما على إعلان أهداف منهاج بكين، لا تزال صناعة الإعلام تواجه عقبات منها سوء تمثيل النساء والتغطية غير الكافيـــة للمسائــل المتعلقة بهنّ، والعنف الصريح الممارس ضد الصحافيات”.

وكرمت اليونسكو بعض النساء العاملات في الإعلام باختيارها للصحافية الأميركية الشهيرة كريستيان آمانبور، رئيسة المراسلين الدوليين في شبكة سي إن إن، سفيرة للنوايا الحسنة لحرية التعبير وسلامة الصحافيين. كما كرمت العديد من الصحافيات من جنسيات مختلفة في هذه المناسبة.

وفي المملكة العربية السعودية، التي تعدّ واحدة من الدول العربية التي تجد فيها المرأة صعوبة في الدخول إلى العديد من مجالات العمل، تمكنت المرأة من الانخراط في العمل الصحافي وحققت فيه النجاح ولم تقف في تخصصها عند المجالات الاجتماعية والمنوعات والترفيه والأسرة سواء في البرامج التلفزيونية والإذاعية أو في الصحافة المكتوبة، وتقدمت السعوديات نحو المناصب القيادية في الميدان الصحافي وتقلدت الصحافية سمية الجبرتي منصب رئيسة تحرير لأول صحيفة سعودية يومية ناطقة بالإنكليزية “سعودي غازيت” بدايات عام 2014 بعد أن كانت في منصب مساعد رئيس التحرير وهي خطوة تعتبر الأولى من نوعها تخطوها امرأة صحافية في السعودية. وجدير بالذكر أن الصحافيات يشكلن غالبية المحررين العاملين في صحيفة “سعودي غازيت” وانضمت سمية الجبرتي إلى الصحيفة عام 2011 بعد تسع سنوات من العمل في صحيفة “عرب نيوز” السعودية.

تعمل المرأة الصحافية كمراسلة ليس فقط في الدول الغربية وفي وسائل الإعلام الغربية بل أيضا في الدول العربية ومنابرها الإعلامية فتجدها في مواقع الحرب والنزاع مثل زملائها من الرجال، بل لا يمكن أن يلاحظ الفرق بين الجنسين من حيث الجرأة والشجاعة

وعلى خطى الجبرتي تتقدم العديد من الصحافيات العربيات رافعات سقف طموحاتهن لتقلد المناصب الرفيعة في الميدان الصحافي ولبلوغ النجاح في المهنة كما في باقي مجالات الحياة. ولا يقف شقاء مهنة الصحافة عند الخطورة على الحياة في حالة الصحافية على الميدان ولا عند الصعوبات التي تواجهها في التنقل والعمل اليومي وإجراء المقابلات وتلك التي تواجهها في وضع حقوقي هش لا يضمن لها حقوقها كاملة خاصة في المؤسسات الإعلامية الخاصة، حيث يتم استغلال جهودها مقابل أجور زهيدة وهذا يهم الصحافة المكتوبة والعاملين في الخفاء كمعدّين ومحررين أي الصحافيات الأقل شهرة من زميلاتهن المذيعات مثلا، بل تمتد إلى ما يعرف به العمل الصحافي من ضغط نفسي وفكري على العاملين به حيث يجد الصحافي نفسه في مواجهة الرأي العام من جهة وهو مطالب بإرضاء الخط التحريري لمؤسسته وأيضا مطالب بإرضاء ضميره.

تحت هذه الضغوط تعمل الصحافيات وهن واعيات بأنهن في المهنة التي توصف بالسلطة الرابعة ولكنهن تتقاسمن مع باقي النساء في مجتمعاتهن ضغوطا أخرى منها الاجتماعي والأسري. وما يجعل المواجهة صعبة عليهن أكثر من زملائهن الرجال، وخاصة في المجتمعات العربية، ما يلاقينه في بعض الحالات من تمييز ضدهن في الفضاء العام أثناء مباشرتها للعمل وحتى في علاقتهن بالمؤسسات. هذا بجانب ما ينتظرهن من مسؤوليات أسرية وارتباطات عائلية تجعل الضغط النفسي والعصبي الذي يعانين منه طيلة ساعات العمل التي عادة ما تكون أطول من ساعات الدوام بالنسبة إلى باقي المهن يتضاعف بضغط التفكير في قدرتهن من عدمها على القيام بواجباتهن الأسرية تجاه الزوج والأبناء إن كنّ أمهات أو تجاه باقي أفراد الأسرة إن كنّ عازبات.

وبعيدا عن معاناة المرأة في العمل الصحافي فإنها تقابل أحيانا باستنكار لنجاحها في المجتمعات الذكورية، بل لا يقدر عملها حق قدره وإن كان لا مفر من الإقرار والاعتراف بنجاحها فإن البعض يقولون إنه أمر طبيعي لأن المرأة فضولية بطبعها وتعشق الأسئلة وطرحها لتشبع غريزتها في معرفة كل شيء يعنيها أو لا يعنيها. ولعل الحياد هنا يقتضي القول بأن الفضول في حال عملت المرأة صحافية لا يعدّ عيبا بل هو وسيلة للنجاح لأنه يفتح مجال البحث والسعي لكشف حقائق الأمور.

صحافية من تونس

20