لماذا يرفض الآباء الاعتذار لأبنائهم

خبران يرون أن رفض الآباء الاعتذار لأبناءهم يمثل بداية لجملة من الاضطرابات السلوكية التي تؤدي في الكثير من الأحيان إلى عدم احترام قواعد وقوانين المجتمع.
الجمعة 2020/06/05
إذا امتلأت القلوب حبا شبعت البطون

يرفض آباء وأمهات كثر الاعتذار لأبنائهم على الرغم من اعترافهم بارتكاب أخطاء في حقهم، ويتحاشون قول كلمة “آسف” في اعتقاد منهم أنها تقلل من شأنهم ومن هيبتهم وسلطتهم متجاهلين الجوانب الإيجابية لترسيخ ثقافة الاعتذار بين الآباء والأبناء، ومفعولها الإيجابي في تمتين العلاقات الأسرية ودعم الثقة بين جميع أفرادها.

لندن- لا يتردد بعض الآباء في التعبير عن أسفهم إذا لاحظوا أنهم أخطؤوا في حق الطفل في حين تغيب ثقافة الاعتذار عن الكثير من الأسر في مجتمعاتنا العربية حيث يرى آباء كثر أن الاعتذار من أبنائهم مهما كان حجم الظلم الذي يسلط عليهم أمر معيب يمس من سلطتهم وهيبتهم داخل المنزل.

وقال أخصائيو علم النفس إنه على الرغم من أن الاعتذار له تأثير إيجابي على الطفل، إلا أن وجهات النظر حول ما إذا كان يجب على الآباء أن يطلبوا من أطفالهم الاعتذار تختلف، ويرى محمد ضامر وهو أب لطفلين في سن المراهقة أنه لا يجوز أن يعتذر الأب من ابنه مهما كان حجم الإساءة التي قام بها تجاهه لأن ذلك يضعه في موقف ضعف ويفقده هيبته، مضيفا أنه لا يستسيغ اعتذاره من أحد أبنائه، لأنه يخشى من أن يتعود الأبناء على شعوره بالذنب إذا أخطأ في حقهما، ويدعيان باستمرار أنهما يتعرضان إلى الظلم.

وفي مقابل ذلك أكدت بسمة زياتي وهي أم لطفلتين أنها مستعدة لطلب السماح بمجرد الخطأ في حق إحدى بناتها لأن ذلك لا ينقص منها شيئا بل على العكس يعمّق العلاقة ويزيح الحواجز ويفتح باب الحوار بينهما، مؤكدة أن هذا الأسلوب يكون صعبا في بادئ الأمر إلاّ أنه سوف يرسخ ثقافة يتبناها كافة أفراد العائلة في علاقتهم ببعضهم، وسوف يكون لها أثر إيجابي بالتأكيد على تكوين شخصية الأبناء وعلى سلوكياتهم.

وأكد الخبراء أن الكثير من الآباء يعتبرون الاعتذار لأبنائهم سلوكا يقلل من هيبتهم، موضحين أن اعتذار الأب يجعل الابن يحاكي سلوكه فيعتذر عندما يخطئ، مشيرين إلى أن اعتذار الأبوين يجعل الأبناء يتمتعون بالمصداقية ويجنبهم الازدواجية التي تربكهم.

وكشفوا أن تحاشي الاعتذار يمثل بداية لجملة من الاضطرابات السلوكية التي تؤدي في الكثير من الأحيان إلى عدم احترام قواعد وقوانين المجتمع على المدى البعيد.

كما شددوا على ضرورة أن يستوعب الأبناء أن الآباء يخطئون ويفشلون فيقتنعون بأن الفشل ليس نهاية المطاف. وتؤكد دكتورة إيمان سند مدرسة بمعهد الدراسات التربوية بجامعة القاهرة، أن الاعتذار يزيد من هيبة الوالدين ويعتبر وسيلة لتعليم الأبناء الاعتذار في حالة الخطأ، ويوصل رسالة غير مباشرة بأن الشخص إذا شعر بخطئه فمن الأفضل أن يتراجع ويعتذر فالاعتذار يكون في بعض الحالات أسهل من التمادي في الخطأ.

وكشف المختصون أن الاعتذار يخلق نوعا من التواصل بين الآباء والأبناء، ويقلل من فكرة صراع الأجيال ويفتح الطريق أمام مناقشات جادة بين الابن والأب، فيتحول الاتصال بينهما من اتصال أحادي الجانب من الأب للابن إلى خلق حالة من النقاش بين الطرفين، كما أنه يقلل من العنف لدى الأطفال ويعطي للابن الإحساس بأنه شخص مسؤول وإنسان كامل.

ونبهوا إلى أن البعض يرون أن الاعتذار يضع الوالدين في موقع ضعف ويمس من سلطتهم ومصداقيتهم تجاه أبنائهم، لافتين إلى ضرورة أن يعتذر الآباء لأطفالهم حين تقتضي الحاجة لذلك، فمن شأن ذلك أن يعزز قيمة الاعتذار لديهم.

وقالت المختصة في علم النفس ماريا خوسيه رولدان برييتو إن الآباء عموما ليسوا أفرادا مثاليين معصومين من الخطأ، مشيرا إلى أن الآباء يمكن أن يخطئوا في حق أبنائهم ويؤذوا مشاعرهم دون قصد. ويمكن أن يولّد هذا الأمر الشعور بالذنب لديهم، لذا ينبغي عليهم أن يكونوا خير مثال لأبنائهم حتى يتعلم الأطفال تحمل مسؤولية أفعالهم.

ولفتت الكاتبة الإسبانية إلى أن اعتذار الآباء للأطفال حين تقتضي الحاجة يعتبر مسألة ذات قيمة كبيرة لأنهم يعلمون أطفالهم أنهم قادرون على تحمل مسؤولية أفعالهم، مشيرة إلى أنه ينبغي شرح الأسباب التي تجعل الأب أو الأم يتصرف مع الطفل بطريقة غير مناسبة.

اعتذار الأولياء يلعب دورا أساسيا في تكوين شخصية الأطفال حيث يجعلهم متواضعين وهو ما ينعكس على سلوكهم الشخصي

كما نبهت إلى أن دور الوالدين يكمن في تعليم الأطفال وتأديبهم وتوجيههم، الأمر الذي يجعل الكثير منهم لا يحبذون فكرة الاعتذار لأبنائهم، وقد يخيل للأب أو الأم أن الاعتراف بالذنب للطفل يمكن أن يعتبر شكلا من أشكال الضعف، ولكن على العكس فإن مستوى الاحترام المتبادل بين الطرفين قد يزيد بمجرد أن يعترف أحدهما بخطئه. كما أن الاعتذار للطفل يمكن أن يعلمه أن يتصرف بالمثل مع الآخرين ويصبح إنسانا مسؤولا.

وأوضحت أنه ينبغي على الوالدين أن يرسخا لدى الطفل فكرة أن الإنسان كائن خطّاء، ولا ينحصر الدور في تعليم الأطفال والتوجيه فقط، ومن الضروري أن يتعلم الطفل أن الإنسان مسؤول عن تصرفاته سواء كانت جيدة أم سيئة.

وأشارت إلى أنه ينبغي على الأب أو الأم أن يخبر ابنه عن سبب اعتذاره، خاصة عند استخدام ألفاظ غير لائقة أو كلام سلبي. ومن خلال الاعتراف بالأخطاء والاعتذار يقدّم الوالدان للطفل مثالا نموذجيا للعلاقة بين الطرفين.

ويلعب اعتذار الأولياء دورا أساسيا في تكوين شخصية الأطفال حيث يجعلهم متواضعين وهو ما ينعكس على سلوكهم الشخصي. وفي بعض الأحيان،
قد يكون الاعتذار ضرورة وليس مجرد اختيار. ولفت المختصون إلى أنه “عندما نعتذر عما فعلنا، فهذا لا يعني أننا أشخاص سيّئون ولكن الفعل هو السيء، فجميعنا نرتكب أخطاء ويجب أن نعتذر عنها ونتجنب ارتكابها مرة أخرى، وشددوا على أن نقاش الآباء بعد تقديم الاعتذار يساعد الأطفال في فهم ما حدث وتحديد مشاعرهم.

وأكدت دراسات حديثة أن الاعتذار يمكن أن يحسّن مشاعر الشخص المنزعج، مشيرة إلى أن الاعتذار التلقائي أدى إلى تحسين شعور الأطفال بعد الضيق. وكشفت أن عبارات الاعتذار وإجراءات التصالح تحدث فرقا في مشاعر وسلوكيات الأطفال الصغار.

21