لماذا يرفض الأدباء العرب وظيفة المحرر الأدبي في دار النشر

الاثنين 2014/09/01
الواقع العربي لا يعترف بوظيفة المحرّر الأدبيّ

دأبت أليف شفق الكاتبة التركية الأكثر مبيعا، وصاحبة «قواعد العشق الأربعون»، وأخيرا «شرف»، على توجيه الشّكر -في نهاية أعمالهاـ ضمن قائمة طويلة من الأسماء، إلى محرّرها الأدبيّ، ولا تكتفي بالشكر بل تكشف طبيعة الدور الخفي الذي يلعبه في نصها، ليخرج بصورته النهائية التي ارتضتها هي أولا، ثم ناشرها وقارؤها.

السّؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل ثمّة حاجة ملحّة تستدعي أن تكشف لنا الكاتبة عن الأيادي التي لعبت دورا في نصها؟ أم هو التزام بعقد شراكة بينها وبين القارئ الذي تحرص على تقديم منتج جيّد له، خاصّة وأن هذا القارئ ينتظر هذا المنتج بشغف من كاتبته المفضلة؟


دور المحرر

في الحقيقة إن شفق أو غيرها من كتّاب الغرب لم يكونوا بحاجة إلى لفت الانتباه إلى شخصية الرّجل الخفي، الذي مارس دورا مهما وبارزا استحق عليه الثناء، وبمعنى أدق ليسوا معنيين بالكشف عن صناعة النص، والأدوار التي مورست ليخرج بصيغته النهائية، بدءا من الكاتب، الذي ينتهي دوره بمجرد الانتهاء من النص، ليعهد به إلى وكيله الذي يحيله إلى المحرّر حتى يقوم بعملية أخرى، لا تقل أهمية، بل تفوق ما قام به المؤلف، في صياغة وتهذيب النص وتهيئته للطباعة.

وقد يرى البعض أن دوره ملازم لعملية الكتابة ذاتها حيث يقوم بتوجيه الكاتب، ومساعدته في طرح الأفكار التي تعينه على عملية الخلق الفني والإبداع.

وثمة وظيفة مهمة أخرى لهذا المحرر تتمثّل في اكتشاف المواهب الجديدة، وفي هذا الصدد لا يخفى الدور الذي لعبه المحرّر الأميركي «بيركنز» في تسليط الضوء على همنغواي، فبإصراره وافقت دار نشر «سكربنرز» التي كان يعمل بها، على نشر رواية همنجواي «الشمس تشرق» عام 1926، نفس الشيء حدث -أيضا- مع الأديب التركي عزيز نسين، الذي لعب رئيس تحرير المجلة، التي قصدها لنشر إحدى قصصه، دورا حيويا في اكتشاف أنه أديب ساخر، وهو الذي كان يظن أنّ كتاباته تميل إلى الجانب المأساوي.

الواقع العربي لا يعترف بوظيفة المحرّر الأدبيّ، الذي ليس له وجود في بلداننا العربية -وهو ما يطرح علامة استفهام كبيرة-، رغم أن واحدا مثل نجيب محفوظ عهد إلى طه حسين بمراجعة رواية «أولاد حارتنا». الشيء الآخر الذي يستوجب الذكر أيضا، إن هذا الشخص الذي يقوم بدور المحرر ليس خافيا أو حتى مجرد اسم من الأسماء المجهولة، بل على العكس تماما، ففي الغالب يكون كثير منهم من كبار الشعراء والكتاب.

ومن أشهر المحرّرين الأميركي ماكسويل بيركنز، المحرر الأدبيّ الأشهر في تاريخ الأدب الحديث، الذي اشتهر بالحصافة الفكرية واللغوية، وكان يمتلك موهبة تحريرية فذة، حيث يُنسب إليه الفضل الأكبر في شهرة أعمال أصبحت من كلاسيكيات الأدب الحديث، لأدباء مثل إيرنست همنغواي وإف. سكوت فيتسجيرالد، وتوماس وولف.

المحرر يوجه الكاتب ويساعده في طرح الأفكار التي تعينه في عملية الخلق الفني والإبداع

هناك أيضا من المحرّرين من نالوا جوائز أدبية رفيعة، كالروائيّة الأميركية «توني موريسون»، الحائزة على جائزة نوبل للآداب، حيث عملت قبل شهرتها كروائية محرّرة أدبية في دار «راندوم هاوس» الأميركية في نيويورك، ولعبت دورا بارزا في إبراز كتّاب سود أمثال أنجيلا ديفيس وهنري دوماس.

إنّ الأمر من بدايته إلى نهايته يعود إلى احترام المؤلف وناشره للقارئ، فالجميع يجتهد في تقديم منتج جيّد لتفادي الوقوع في سقطة كتلك التي ظهرت بها مدام بوفاري لفلوبير حيث تحولت عينا إيما بوفاري إلى ثلاثة ألوان في الرواية، بنيتان مرة وسوداوان قاتمتان وفي الأخير زرقاوان، ولا نعرف حتى الآن أيّا من هذه الألوان لون عينيها.

يعود هذا إلى التحوّل المهم في سياسات النشر، واعتبار أنّ حرفة الكتابة صارت صناعة كبرى لدى الناشرين، وأضحى الاهتمام بالمنتج يفوق الاهتمام العادي، فبدأت دور النشر الكبرى وعلى الأخصّ في العالم الغربي، في تجويد منتجها عبر استحضار وظيفة المحرّر الذي يقوم بدور تشذيب النّص وتخليصه من كافة الترهلات التي تعيق القارئ، وبالأحرى تعيق توصيل الفكرة، وتقدمه بصيغة مثالية للقراء، مستوفيا كافة المعايير الجمالية والإبداعيّة والفنيّة.

والأهم أن يكون خاليا من التضاربات والتناقضات، كما رأينا في رائعة فلوبير. وهو ما يتطلب جهدا لا بأس به من المحرّر، يقتضي -في المقام الأول- فرض قدر من الانضباط على الكتابة الإبداعية التي تميل بطبيعتها إلى الجنوح، وهو الأمر الذي يقتضي في طبيعة المحرّر أن يكون قاسيا، أشبه بالطبيب الذي يجري عملية جراحية لاستئصال ورم خبيث، ومن ثمّ تستوجب القسوة على النصّ، ففي عُرف المحرّر لا يوجد نصّ مقدّس "إكليركي".

يكون المحرر قاسيا، أشبه بالطبيب الذي يجري عملية جراحية لاستئصال ورم


الاعتراف والإنكار


ثمّة تأكيدات على أهمية الدور الذي يلعبه المحرّر الأدبي، إلا أنه من ناحية أخرى ثمة ارتياب من قبل الكتّاب والمبدعين ناحيته، يعكس توجّسا بطبيعة المهمة التي يقوم بها، وهو ما حدا بالبعض إلى تحقيره والتقليل من الدور الذي يلعبه.

فجاءت أوصاف من قبيل أن «المحرّرين ليسوا سوى كتَاب فاشلين!» أو أن التحرير الأدبي أشبه بـ«مهنة الجزّار» على حدّ وصف الكاتب الأميركي هنري جيمس أو أن مهنة التحرير تشبه إلى حدّ ما الذهاب إلى الحلّاق، على حدّ زعم الروائي الأميركي جون أبدايك، مؤكّدا «لم أحبّ أبدا قصّات الشّعر".

وقد ذهب الروائي الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف إلى حدّ التحقير من مهمة المحرّر، واصفا إياه بأنه مجرّد مصحّح.

على النقيض تماما من هذه المواقف هناك مَن يعترف بالدور الكبير لهذه المهنة، ويدين بالولاء لأصحابها، على نحو ما فعل جونتر جراس ففي رحلاته كان يصطحب محرره الأدبي أينما ذهب، وعندما قدّمه لكتاب وأدباء اليمن تفاجأ الجميع أن كاتبا كبيرا حاصلا على جائزة نوبل، لا يتعالى على دور المحرّر حتى في الكلمات والمحاضرات التي يقدّمها، أو بالإشادة بدوره كما فعل الأميركي توماس وولف، قبيل وفاته عام 1938، فقد كتب رسالة مؤثرة لمحرّر كتاباته ماكسويل بيركنز، وصفه فيها بأنه أقرب صديق له، معترفا بفضله عليه أدبيا.

يبقى السؤال الذي كان دافعا لكتابة المقالة: لماذا يرفض الكتاب العرب وظيفة المحرر الأدبي؟! الجواب متروك للقارئ الحصيف، الذي يرى في رواية لا تتجاوز صفحاتها 125 صفحة كـ«حجر الصّبر» لعتيق رحيم، الكاتب الأفغاني، قيمة فنية عالية تتجاوز بعض الأعمال العربية التي تمسح عددا أكبر من الصفحات، دون أن يخرج منها بقيمة سواء على المستوى الفني أو على مستوى الجدة، ببنيتها السردية المكرّرة في أعمال سابقة للمؤلف، أو المقتبسة من غيره؟!

15