لماذا يستهدف الإخوان محمد بن زايد

الثلاثاء 2014/12/30

استمعت – مؤخرا - إلى تصريحات النائب الكويتي السابق (مبارك الدويلة) الموجهة ضد الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (ولي عهد أبوظبي) بتهمة “معاداة الإسلام السني”.

جاءت هذه التصريحات في سياق هجوم إخواني سافر – خلال أعوام منصرمة – على الرمز الإماراتي. ومن ذلك مقالة لصحافي إخواني من الأردن عبدالله السحيم قال فيها بأن محمد بن زايد يموّل قتل المسلمين حول العالم، وتقوم المنصات الإخوانية الليبية باتهام الرجل بمحاربة الإسلام في ليبيا، ودخلت قناة العالم الإيرانية في منظومة النباح – نقلا لادعاءات إخوانية مختلقة – باتهامه بالاجتماع مع الوزير الإسرائيلي سيلفان شالوم للتنسيق من أجل اجتثاث حركة حماس وتأكيده على دعم الإمارات لإسرائيل، كما زعمت قناة الجزيرة القطرية – قبل المصالحة الخليجية – بأن العدوان الأخير على غزة تم بعد التنسيق بين وزير الخارجية الإسرائيلي ووزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد. ولا أنسى لفت النظر إلى حساب المعارض السعودي الإخواني كسّاب العتيبي الذي سخّر حسابه في تويتر للافتراء والتهجم على الإمارات وقادتها. بعد ثورة 30 يونيو في مصر، انبرت أبواق الإخوان المسلمين لممارسة الإلغاء المعنوي والأخلاقي ضد خصومهم، فتم وصف الرئيس المؤقت عدلي محمود منصور بأنه قبطي، وتم الادعاء بأن والدة المشير عبدالفتاح السيسي يهودية، وكذلك الأمر مع السياسي عمرو موسى، ورئيس الحكومة حازم الببلاوي وصف بـ“اليساري الشيعي”، أما الرمز محمد البرادعي فنال النصيب الأكبر من الافتراءات بوصفه “باني الحسينيّات” الذي تزوج شيعية إيرانية وزوج ابنته لمسيحي.

الادعاءات السابقة لا يمكن وضعها في إطار المناقشة لانتمائها إلى الكذب البواح، فوالدتا السيسي وعمرو موسى ليستا يهوديتين، وحازم الببلاوي ليس شيعيا، وعدلي منصور ليس قبطيا، أما البرادعي فهو سني وزوجته عايدة الكاشف من أرقى وأعرق العائلات المصرية والسنية، وزوج ابنته بريطاني مسلم.

القليل من التأمل في افتراءات الإخوان كاف لكشف تهافتها أو إدانة الجماعة، فمن عيّن عبدالفتاح السيسي (الذي يزعمون أنه يهودي الأم) وزيرا للدفاع وعين عدلي منصور (الذي يزعمون أنه قبطي) رئيسا للمحكمة الدستورية هو الرئيس الإخواني محمد مرسي. والأهم من ذلك أنه لا عيب مطلقا أن يكون السيسي يهوديا، وأن يكون منصور قبطيا، وأن يكون البرادعي والببلاوي من الشيعة في دولة المواطنة والقانون، ليكشف هذا الافتراء عدم إيمان الإخوان بالمساواة وتكافؤ الفرص والمواطنة كما يزعمون، بل أكد انتماء الفكر الإخواني لمنظومة التطرف والإرهاب والعنصرية التي ترى أن انتماء الإنسان لدين غير الإسلام، أو لمذهب غير السنة والسلفية، كاف لاستحلال دمه أو إلغاء حقوقه السياسية والمدنية أو الانتقاص من مواطنته وإنسانيته.

من الطريف أن يتهم الإخوان الشيخ محمد بن زايد والشيخ عبدالله بن زايد بالتنسيق مع إسرائيل ودعمها، وهم من اغتالوا رئيس الوزراء المصري محمود النقراشي، صاحب قرار المشاركة المصرية في حرب فلسطين. نستطيع أن نحصي المئات من العرب ومن المسلمين الذين ماتوا في عمليات الإخوان الإرهابية كالقاضي المصري أحمد الخازندار وتفجيرات عام 1984 والتفجيرات التي استحلت مصر بعد ثورة 30 يونيو، لكننا لا نستطيع أن نحصي صهيونيا واحدا قتله الإخوان. الإخوان يتهمون الإمارات بالمشاركة في ضرب نظام معمر القذافي في ليبيا مع حلف الناتو (وتلك مأثرة لا تهمة)، لكنهم يغضّون البصر عن قطر التي شاركت في نفس الضربات، والغريب أنهم لم يسألوا أنفسهم: كيف يتهمون الإمارات بضرب القذافي، وفي الوقت نفسه يتهمونها بدعم الاستبداد؟

في هذا السياق، نستطيع أن نفهم تصريحات الدويلة (مبارك ومن قبله ناصر) ضد الإمارات وضد الشيخ محمد بن زايد. فالخدمات الجليلة التي قدمها ولي عهد أبوظبي – وقدمتها دولة الإمارات – للإسلام وللمسلمين واضحة في شتى أصقاع الأرض ويصعب حصرها، من بناء المساجد والمستشفيات والمؤسسات التعليمية والمدن السكنية، إلى دعم الجمعيات الخيرية المخلصة، وعلى رأسها المشاريع التنموية والإنسانية التي قدمتها الإمارات لمصر، مسقط رأس التنظيم الإخواني، وغيرها عربيا وإسلاميا. والحقيقة، أن هذه المشاريع تقضّ مضاجع الإخوان لسببين: أنها موجهة لتعزيز “الدولة” التي يطمع الإخوان في ابتلاعها، كما أنها تغلق بابا ينفذ منه الإخوان إلى البسطاء والمحتاجين عبر ما يسمى بـ“الدولة الموازية” التي تستغل نقاط ضعف الدولة لتظهر من خلالها بمشاريع خيرية وتجارية هدفها العلني خدمة الناس بينما غايتها الحقيقية استقطاب الفئات الشعبية وتقويض الكيان في الآن ذاته. ومن أهم الخدمات التي قدمتها الإمارات للإسلام مؤخرا تصنيفها لـ83 منظمة في خانة الإرهاب لحماية المسلم من فخاخ التطرف وفضح أساليب الإرهاب الموازية للعنف كالتمويل والتحريض، وتنبيه العالم إلى وجوب التمييز بين الإسلام وبين الإرهاب، وتحذير الجميع من خطورة تنامي العمل الإرهابي سرا وعلنا.

تدثر الإسلامويون بكل مزاعم الفضيلة، لكنهم في حربهم المعنوية – قبل الأمنية – مارسوا كل رذيلة بدءا بالكذب وبالقذف وبالعنصرية

تفرّدت الإمارات عن غيرها من الدول المعادية للإسلام السياسي، بأنها تقدم نموذجا تنمويا قابلا للتصدير، ويمكن الاحتذاء به إداريا وأمنيا وتنمويا. في عالم التطرف وصراع الطوائف الذي شوه صورة الإسلام والمسلمين. قدمت الإمارات نموذجا مسلما حضاريا، أضاف تجربة فريدة في قطاع التنمية الشاملة والمستدامة امتازت بالموازنة بين مبدأ حفظ الأمن وقيمة الحريات الاجتماعية. والطريف أن القوى الإسلاموية برهنت عن تطرفها عبر اتهام الإماراتيين بمعاداة الدين، فالإمارات تعادي تجار الدين وزبانيتهم، وتوالي الدين وأهله وفق معادلة: الإسلام السياسي ليس نقيض الكفر السياسي، بل هو نقيض الإسلام، وهي معادلة سليمة.

النموذج الذي قدمته الإمارات هو العدو الأول للإسلاموية التي تتفشى في المجتمعات المريضة تنمويا وإداريا وحضاريا. مشاريع التنمية الناجحة والمتوازية مع الاستثمار في الإنسان، حصّنت المواطن الإماراتي من السقوط في فخاخ الإسلاموية، وشكلت مناعة ذاتية للمجتمع. لذلك تم استهداف الإمارات من جماعة الإخوان المسلمين، ولن يتوقف استهدافها من الجماعات الإسلاموية، لأن النموذج الناجح ينسف مشروعية الإسلاموية من جذورها.

ولو نظرنا إلى الظرف السياسي في استهداف الإخوان للإمارات وولي عهد أبوظبي، سنجد أن هدفهم هو تسويق الجماعة لنفسها في المشهد الدولي بالقدرة على تأمين المصالح الغربية في المنطقة: تسويق إسرائيل إقليميا باسم الدين وضمانة أمنها، ويدلل على ذلك دور الرئيس محمد مرسي إبان العدوان على غزة عام 2012، وما تلا ذلك وما سبقه من حديث عن مفاوضات “غير تقليدية” بين إسرائيل وبين الفلسطينيين والعرب.

جماعة الإخوان هي التنظيم الأم للجماعات الإرهابية – وعلى رأسها تنظيم القاعدة (راجع كتاب رفعت السعيد: المتأسلمون الآتون من عباءة الإخوان) وحين كانت الجماعة على رأس السلطة في مصر شهد النشاط الإرهابي هدوءا منقطع النظير – باستثناء استهداف الجيش المصري – لينفجر دفعة واحدة بعد ثورة 30 يونيو ضد الجميع مستنزفا مصر ومشوها القضية الفلسطينية وموغلا في دماء الليبيين ومهددا استقرار الخليج، وأخيرا، تأمين منابع النفط، لذلك وقع اختيار التنظيم الإخواني على الإمارات – التي تتمتع بثقل اقتصادي دولي – كبالون اختبار يظهر الصورة النفطية الإخوانية عالميا، ولتحقيق التماس مع إيران التي هي محور اهتمام الغرب هذه الأيام.

مبارك الدويلة يتهم الشيخ محمد بن زايد بمعاداة الإسلام السني، ونفهم من هذا التصريح أنه يقول أن تنظيم الإخوان وجماعات الإرهاب تمثل الإسلام وتمثل السنة وما عدا ذلك كفرة وخونة، وهو بذلك – دون أن يقصد – يصادق على كل المثالب الإخوانية ويعزز ضرورة استئصال الجماعات الإسلاموية التي تريد احتكار الإسلام وتتخذه منصة للوصول إلى السلطة وسبي الدولة. والأهم من ذلك أنه يعزز – بلا قصد – الصورة النبيلة للشيخ محمد بن زايد كرأس حربة ضد الفوضى والإرهاب والمتاجرة بالدين استغلالا واختطافا. كيف نصدق أو نناصر من استباحوا الدماء وروعوا الآمنين واستغلوا أشرف القضايا والمبادئ بأحقر الوسائل والسبل من أجل أرخص الأهداف والمكاسب؟

تدثر الإسلامويون – وعلى رأسهم الإخوان – بكل مزاعم الفضيلة، لكنهم في حربهم المعنوية – قبل الأمنية – مارسوا كل رذيلة بدءا بالكذب وبالقذف وبالعنصرية، وليس انتهاء بالتكفير وبالتخوين مرسخين مقولة الأديب اللبناني سعيد تقي الدين: “إن العاهرة أكثر ما تكون فصاحة عندما تتحدث عن الشرف”.

إن الحرب المعنوية الإخوانية هدفها إلهاء الناس عن الحقائق (كالعلاقة العضوية بين الإخوان وبين الإرهاب والتطرف) وصرف النظر عن النقاش السياسي، كالفشل الإخواني في الإدارة وخصومتهم مع المحيط ومع الدولة ومشروعهم السياسي المشبوه داخليا وخارجيا، كما أنها مقدمة تشرع الإلغاء وتشحن التابعين والمتعصبين بوضع الخصوم في خانة محاربة الإسلام. هل هناك خصم للإخوان أو للجماعات الإسلاموية في دائرة الإسلام من وجهة نظرهم؟.

إن الاستهداف المعنوي للشيخ محمد بن زايد إعلان إخواني باستهدافه أمنيا، ونسأل الله أن يحفظ ولي عهد أبوظبي كما حفظ الإمارات باليقظة الأمنية وبالحنكة السياسية، وبوعي المواطنين والأصدقاء.


صحافي سعودي

9