لماذا يستهدف حزب الله بندر بن سلطان

السبت 2015/01/03

لا فرق البتة بين جماعة الإخوان، كما التنظيمات السلفية، التي تزعم الانتماء للسنة، وبين حزب الله الشيعي. فكلاهما من الفصائل الإسلاموية التي تعبّر عن الهزيمة الحضارية والهوية المأزومة، يشتركان في الإرهاب وفي الانحطاط الأخلاقي الذي يواجهان به الخصوم من خلال الأبواق الإعلامية وحسابات عناصرهما في مواقع التواصل الاجتماعي.

يقوم حزب الله في لبنان بإلغاء خصومه معنويا وأخلاقيا كما يستهدفهم أمنيا، روّجت ماكينة الحزب الإلهي بأن الشهيد الحي مروان حمادة عمل مرشدا للقوات الإسرائيلية خلال حرب تموز 2006، كما روّجت بأنه وشى بسرّ عودة ابن شقيقته الصحافي جبران تويني إلى لبنان لجهة خارجية مما أدى إلى اغتياله عام 2005. ووصلت ماكينة الحزب الإلهي إلى أرفع درجات الخسة والدناءة حين أشاعت بأن الصحافي سمير قصير اغتاله نائب لبناني علم بأن زوجته تخونه مع الصحافي المرموق.

من ينسى موقع “فيلكا إسرائيل” – الذي انكشفت تبعيته للحزب الإلهي والمخابرات السورية – الذي تم استخدامه منبرا للتهديد بالقتل إذ يوزع الاتهامات على خصوم بشار الأسد وحزب الله كالصحافي المحترم بلال خبيز، ومن ينسى حساب تويتر “لواء أحرار السنة” الذي قدّم الطائفة السنية كطائفة إرهابية وزرع الفتنة بينها وبين المسيحيين والشيعة، ومن حسن الحظ أن السلطات اللبنانية قبضت على مشغّله التابع تنظيميا للحزب الإلهي. وما زالت لعبة حزب الله مستمرة، ومن مظاهرها تشنيعه على الصحافية حنين غدار والكاتب علي الأمين.

المملكة إذا أرادت استهداف حزب الله أمنيا وعسكريا، كما تتصدى سياسيا له، فهي ستفعل ذلك علنا

لكشف أكاذيب حزب الله يكفي أن نتأمل موقفه المتقلب من الرئيس سعد الحريري، فهو السنّي المعتدل حين يحتاجون إليه، وما عدا ذلك هو الإرهابي الأول. والطريف أن معاملة الحزب الإلهي للحريري هي المكيال المعكوس لتعاملهم مع ميشال عون مرشحهم للرئاسة وحليفهم الصادق وشريكهم الصدوق الذي كان – قبل تحالفهما الرومانسي – “حالة إسرائيلية عنصرية” على حد وصف السيد حسن نصرالله (أمين عام حزب الله) في صحيفة “النهار” اللبنانية (6 نوفمبر 1989).

مروان حمادة لم يعمل مرشدا للقوات الإسرائيلية في حرب تموز، من فعل ذلك هو أقرب حلفاء الحزب الإلهي وفق وثائق ويكيليكس، كما أنه لم يش بموعد عودة جبران تويني إلى لبنان، فماكينة القتل في حزب الله اخترقت المطار بكاميرات مراقبة، وحين أرادت السلطات اللبنانية نزعها وإقالة مدير المطار احتلّ حزب الله بيروت وروّع الجبل في أحداث أيار 2008. ويبدو أن تلك الكاميرات هي التي حددت موعد اغتيال العميد وسام الحسن في أكتوبر 2012. الحسن هو رئيس جهاز فرع أمن المعلومات المتهم من الحزب الإلهي بالعمالة لإسرائيل، مع أن فرع المعلومات هو الجهاز الأمني الأكثر تطورا واحترافية في لبنان بدليل كشفه لشبكات التجسّس الإسرائيلية المستوطنة في البيئة الحاضنة للحزب الإلهي وعناصره “أشرف الناس”.

يتهم حزب الله خصومه من تيار السيادة والاستقلال (قوى 14 آذار) بالعمالة لإسرائيل، لكن السلطات اللبنانية والأجهزة الأمنية التابعة للحزب الإلهي لا تكتشف العملاء إلا في صفوف الحزب وحلفائه، وآخرهم منسق العمليات الخارجية في الحزب محمد شوربا ومن قبله القيادي العوْنيّ فايز كرم.

تشيع الأبواق التابعة للحزب، أن من اغتال النائب بيار أمين الجميل عام 2006 هو قائد القوات اللبنانية سمير جعجع، وأن السيد حسن نصرالله كشف للرئيس أمين الجميّل أسرار عملية الاغتيال القواتية لابنه في لقاء خاص، ومع ذلك فالتحالف السياسي بين جعجع والجميل ما زال قائما. الطريف، أن أبواق الحزب نفسها – فيما بعد – روّجت بأن الجيش اللبناني اعتقل خلال صراعه مع التنظيم الإرهابي (فتح الإسلام) عام 2007 عنصرا إرهابيا اعترف بأنه من اغتال بيار الجميّل، لكننا إلى يومنا هذا لم نعرف هوية العنصر ولا ما جرى معه. (العارفون ببواطن الأمور، يعلمون بأنه قبيل اغتيال بيار الجميّل حاول الحزب الإلهي فتح قنوات اتصال مع سمير جعجع للقائه في توقيت معين، تصادف أنه توقيت اغتيال الجميّل، ليبدو ذلك إشارة على تغيير موقف القوات وإدانة لها).

اغتيال سمير قصير سببه سياسي لا شخصي، فما زالت زوجة النائب المتهم من حلفاء الممانعة باغتيال قصير في عصمته. يجب أن نتذكر دائما أن كل عمليات الاغتيال السياسية في لبنان استهدفت خصوم حزب الله وإيران وسوريا دون غيرهم، وأن الحزب الإلهي – المتهم بهذه الجرائم – لا يعترف بالمحكمة الدولية، ويرفض التعامل مع القضاء اللبناني، كما في قضية محاولة اغتيال النائب بطرس حرب على سبيل المثال.

كما يتقاطع خطاب الإخوان مع خطاب حزب الله في الكذب وفي الانحطاط الأخلاقي، اتفقا على استهداف الأمير بندر بن سلطان (أمين مجلس الأمن الوطني السعودي، المبعوث الخاص للملك، ورئيس المخابرات سابقا). روى القيادي الإخواني خيرت الشاطر – زمن السلطة الإخوانية – لمثقف معروف أن الجماعات سجلت، صوتا وصورة، زيارات سرية للأمير اجتمع خلالها بقوى مصرية وعناصر تخريبية لزعزعة الحكم الإخواني وإثارة الفوضى في مصر. الطريف، أن هذه التسجيلات لم تظهر مطلقا رغم كل الأحداث التي مرت على مصر وعلى الإخوان، لسبب بسيط، أن هذه التسجيلات غير موجودة مطلقا.

حين استمعتُ إلى رواية الشاطر تذكرتُ ما أشاعته أبواق حزب الله ونظام الأسد بأن الأمير تم القبض عليه في دمشق متلبسا بتدبير قلب نظام الحكم الأسدي – قبل الثورة – لكن “توسل” السعودية و”شهامة” الرئيس الأسد أطفأت الحادثة. أشاعت أبواق حزب الله والأسد – مؤخرا – بأن عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان لأيام معدودات، كان هدفها تخليص ابن الأمير من قبضة الجيش اللبناني بعد أسره في عرسال داعما وممولا لداعش والنصرة. كل هذه الروايات تثير الضحك على قائلها وتثير الشفقة على مصدّقها، فالأمير في مسؤوليته بمجلس الأمن الوطني، أو خلال رئاسته للمخابرات يعمل تحت يديه آلاف الموظفين وله من الصداقات والعلاقات ما يغطي العالم كله بحكم عمله السياسي العريق، لذا فإنه ليس مضطرا لأن يذهب بنفسه إلى مصر أو سوريا أو يرسل ابنه إلى عرسال، معرّضا نفسه وعائلته للخطر ومعرّضا بلاده للفضيحة. وهذا الروايات لا تجوز من مروّجيها لأن خطابهم الذي يتناول الأمير صوّره – بلا قصد – “سوبر مان” سياسي وأمني، لذا فليس من المنطق أن يتصرف – في نفس الوقت – كأطفال الأمن ومراهقي السياسة، والأهم من ذلك ليس هناك أي دليل على هذه الروايات لانتمائها إلى الخيال الواسع والتلفيق المحض، وبالتالي فإن انحصار استخدام هذه الروايات في الإعلام وما حوله لا في السياسة، يعود إلى الاستحالة وليس إلى “توسل” المملكة أو ملياراتها ولا “شهامة” الخصوم.

أشيعَ لبنانيّا بأن الدعم الملياري السعودي للجيش سببه تورط الأمير في دعم الإرهاب بدءا من تنظيم “فتح الإسلام”، وليس انتهاء بـ”القاعدة” و”النصرة” و”داعش”. إن تنظيم فتح الإسلام تأسس بإشراف مباشر من الرئيس السوري بشار الأسد حين عفا – بقرار خاص – عن الإرهابي شاكر العبسي وهرّبه من سجون دمشق إلى لبنان. في بدايات المعركة بين الجيش اللبناني و”فتح الإسلام” تحدثت تسريبات صحافية محترمة عن اعتراف عناصر قيادية في التنظيم ببنك أهداف وضعته المخابرات السورية لشخصيات لبنانية ومنشآت سياحية (منها فندق فينيسيا الشهير الذي أصدر بيانا بتعزيز إجراءاته الأمنية). إن السبب الوحيد لتأخر محاكمات عناصر “فتح الإسلام” هو علاقتها المثبتة بالمخابرات السورية، ولن يحاكموا ولن تظهر الحقيقة رسميا إلا بعد سقوط نظام بشار الأسد. ما يعزز ذلك، قبض السلطات اللبنانية على النائب السابق ميشيل سماحة (حليف دمشق وطهران) عام 2012 بتهمة تدبير اغتيال البطريرك بشارة الراعي بالشراكة مع المسؤول السوري علي مملوك، وما زال سماحة في السجن ولن يحاكم هو الآخر إلا بعد سقوط الأسد. لذا نسأل هنا أبواق حزب الله: لماذا تغضّون الطرف عن قضية سماحة، كما غضضتم الطرف عن قضية شهداء الزور في اغتيال الرئيس رفيق الحريري – زمن انفرادكم بالسلطة – بعد أن اتهمتم المملكة والأمير بندر وقوى 14 آذار بتجنيدهم؟

أبواق حزب الله والأسد تتهم المملكة والأمير بدعم الإرهاب في سوريا ولبنان. المملكة إذا أرادت استهداف حزب الله أمنيا وعسكريا – كما تتصدى سياسيا له ولأسياده – فهي ستفعل ذلك علنا ولن تخجل، مما يعني أنها ليست مضطرة لتمويل خصوم حزب الله من الأصوليين، وحين يضعفون تموّل الجيش اللبناني لتؤمّن نفسها، بسبب قوتها الإقليمية والدولية. اتهمت أبواق الحزب الإلهي المملكة بدعم الإرهابي اللبناني أحمد الأسير، علما بأن الكل يعلم علاقته الخاصة بقطر، وبهجومه المستمر على قيادات المملكة في إطلالاته المرئية النادرة.

المملكة تدعم الثورة السورية وقوى 14 آذار في العلن، وعداوة المملكة لنظام بشار الأسد مردها التضامن مع الشعب السوري والامتعاض من جرائم الأسد في الداخل والخارج. لذلك فإن المملكة لم تدعم، مطلقا، التنظيمات الإرهابية الدخيلة على الثورة السورية بدليل إصدارها قائمة للتنظيمات الإرهابية بموجبها يدان أي مواطن سعودي ينتمي إليها أو يدعمها أو يتعاطف معها، إضافة إلى بيان وزارة الداخلية في مارس 2013: “سنعتقل الذين ذهبوا إلى سوريا باسم الجهاد لمخالفتهم الأنظمة”. وما لا يعرفه كثيرون، أن الأمير في بدايات الثورة السورية خاطب السلطات التركية مطالبا بتوقيع اتفاقية بين المملكة وتركيا بموجبها توقف السلطات التركية أي سعودي تشتبه بأنه سيذهب إلى سوريا للقتال وتسلمه للمملكة، لكن السلطات التركية رفضت ذلك.

مؤخرا أشاعت أبواق حزب الله بأن مساعد وزير الخارجية الروسية قال لحسن نصر الله بأن الأمير بندر بن سلطان أبلغه بأنه يريد تدمير النظام العلوي في سوريا حتى لو أدى ذلك إلى تدمير سوريا نفسها. ما لا تعرفه أبواق حزب الله أن مجلس الأمن الوطني الذي يتولى الأمير مسؤوليته هو العدو الأول للطائفية داخل المملكة وخارجها، بل إنه حذر، مرارا، من خطورة التحريض الطائفي داخل المملكة ويرى بأن السلاح الأنجع لمواجهة إيران – داخليا وخارجيا – يكمن في مبدأ المواطنة بالتوازي مع الحل الأمني والمواجهة السياسية، وبالتالي فالأمير لا ينظر إلى الثورة السورية بمعيار طائفي، إنما بعين إنسانية وعقل سياسي.

كما يتقاطع خطاب الإخوان مع خطاب حزب الله في الكذب، اتفقا على استهداف الأمير بندر بن سلطان

لا توجد أجندة خاصة للأمير تتمايز عن سياسة المملكة، فالأمير هو أحد جنود خادم الحرمين الشريفين الذي تعود له – وحده – اتجاهات السياسة الخارجية السعودية. إن المملكة أثقل وزنا – سياسيا واقتصاديا وإقليميا ودوليا – من نظام بشار الأسد وأتباع إيران في لبنان، وهم يعلمون ذلك، لذلك يركز خطابهم الإعلامي على استهداف الأمير بندر بن سلطان لصلابته المبدئية ومهنيته الرفيعة، وليبدو الصراع خصومة بينهم وبين شخص، فيسهل بعد ذلك فتح باب المصالحة والحوار مع المملكة لأنهم يعلمون أنها رقم لا يمكن تجاوزه.

وفي المقابل فالأمير بندر – كما ورد في سيرته المعتمدة “الأمير” لويليام سيمبسون – يعمل في صمت ولا يرد على الشائعات ليكشف تهافت الخصوم، ومن ذلك شائعة تخطيطه للانقلاب على الملك التي روّجتها أبواق الأسد وحزب الله، فلو صحت هذه الشائعة لما عيّنه الملك رئيسا للمخابرات ثم مبعوثا خاصا له، ومن تلك الأكاذيب اتهامه باغتيال القيادي في حزب الله حسان اللقيس – في خطاب متلفز لحسن نصر الله – لكن الحزب الإلهي سرب بنفسه – بعد ذلك – أن منسق العمليات الخارجية العميل لإسرائيل محمد شوربا له ضلع في الاغتيال، وتم اتهام الأمير – أيضا – باغتيال القيادي في الحزب عماد مغنية، ومع مرور السنوات لم يُبرز النظام السوري، أو الحزب الإلهي، دليلا واحدا يثبت بأن المملكة وراء اغتيال الإرهابي المطلوب دوليا في قلب دمشق. كما أن تغيّب الأمير عن المشهد لفترات متعددة ورد سببه في الكتاب، وهو مضاعفات إصابة قديمة في العمود الفقري، إضافة إلى نوبات اكتئاب حادة تصيبه بشكل دوري.

تشنيع حزب الله وإيران ونظام الأسد على الأمير بندر بن سلطان وخصومهم، هدفه شحن التابعين والمتعصبين وتهيئة المناخ العام للإلغاء، إضافة إلى صرف النظر عن الحقائق والنقاش السياسي، ومنها أن بشار الأسد يقتل شعبه ولا مستقبل له، وأن حزب الله تنظيم إرهابي بكل معنى الكلمة تم زرعه كجرثومة إيرانية في لبنان.

يتم تغطية الحرب النفسية والأخلاقية التي يشنها حزب الله على خصومه بدعاية رسمها حول أمينه العام “الصادق دائما وحتما”، مع أننا لو راجعنا هوامش حرب تموز – مثلا – لاتضح لنا العكس، ومن ذلك اتهامه للرئيس فؤاد السنيورة بأمر الجيش بمصادرة شاحنات مساعدة للمقاومة، لكن الجيش كذّبه تماما. تقول الحكمة الفرنسية: “الكاذب الأكبر هو من يقنع الناس بأنه لا يكذب”.


صحافي سعودي

8