لماذا يشكل غوغل معضلة سياسية: جوليان أسانج يجيب

في مقابلة صحفية مع الصحفي الأسترالي جوليان أسانج، حاول الصحفي الإنكليزي الشهير جون كين الحصول على إجابات متعلقة بمحرك البحث الأشهر في العالم غوغل الذي مثل محور كتاب أسانج الأخير “عندما اجتمع غوغل بويكليكس”. يؤكد أسانج أن غوغل ليس سوى البوابة الخلفية للسياسة الأميركية ممثلة في الاستعمار الرقمي.
السبت 2015/06/13
ما يؤرق أسانج بحق إنكار شميدت أن موظفي غوغل لهم علاقات سياسية

لندن - يقول جون كين، أنه منذ آخر مرة كانا فيها سويا داخل سجنه الذي يقيم فيه في السفارة الإكوادورية في لندن، تغيرت بعض الأشياء. نمت لحية جوليان وبدا أكثر شحوبا، كما أنه سكت حين سأله عن صحته. فريق الدفاع عنه يحذر من أن تواصل الاعتقال دون تهمة له عواقب وخيمة. الحذر ليس قانونيا فحسب، لأكثر من ألف يوم، وهو يقبع في مساحة ضيقة ومغلقة.

لا يعيش المتمرد حياة طبيعية. إنه محاط بقوات الشرطة المسلحة وجواسيس غير مرئيين، وقال إنه يمارس الرياضة في أماكن غير آمنة. لا يمكنه التنزه في الشوارع مع الأصدقاء، لا تلامس أشعة الشمس وجهه، لا يدخل الهواء النقي إلى رئتيه. لا يمكنه الوصول إلى المرافق الطبية الملائمة. مسجون بجسده ومحاط على مدار الساعة بمن يرصد مصيره.

غوغل هو المستقبل

يقول البعض إن الحارس تحول بسرعة من بطل منسي للمقاومة إلى حامٍ لأسرار الدولة، أو إنه لم يرق من حيث الدعاية إلى مستوى العبقرية الليبرالية للأميركي إدوارد سنودن. لا شيء من هذا صحيح. لعب جوليان أسانج دورا أساسيا في الترتيب لهروب إدوارد سنودن من الولايات المتحدة إلى روسيا. واحتلت جرأة ويكيليكس في الوقت نفسه العناوين الرئيسية في العالم، إلى حد وصل فيه الأمر إلى التغطية الإعلامية المستمرة لمعركته القانونية ضد عملية السجن أو تسليم نفسه.

وحتى الاعتقال لم يضر بسمعة جرأته، كما أنه لم يتسبب في هدم إرادته. فقد أصبح يقرأ أكثر من ذي قبل بكثير. وأصبح حريصا على الالتزام بالأفكار الكبرى والصعبة، والعودة إلى بلده، و سرعان ما اكتشف ذلك عندما جلسنا إلى طاولة صغيرة للحديث عن مواضيع أثارها في كتابه الجديد، “عندما يلتقي غوغل بويكيليكس”.

يقول أسانج إن “غوغل يدعي أنه ليس شركة”، ويضيف أن “أكبر وأكثر وسائل الإعلام ديناميكية وتكتلا في العالم تصور نفسها على أنها رحيمة. لكن غوغل ليس كذلك على ما يبدو. إنه عملية سياسية عميقة. يجب أن نولي الاهتمام للكيفية التي يعمل بها، والاستعداد للدفاع عن أنفسنا ضد قوته المغرية من أجل المراقبة والسيطرة”.

يقول كين: أسانج متأكد أن غوغل هو قضية سياسية، ولكن الصحيح أنه منذ بداية حديثنا لاحظت افتتانه بالسؤال لماذا ارتفعت أسهمه على الصعيد العالمي.

دفعت أسانج ليشرح لي لماذا يعتقد الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم أن غوغل هو مرادف لدولة التقدم التقني. وتذكر أسانج حقيقة مؤسسي الشركة، لاري بيج وسيرجي برين، حين أطلقا محرك البحث “باك راب” كأول خطوة لهما. وقد كان مشروعا في مستوى الكلية للتعامل مع “الروابط الخلفية” للويب ويفترض أنه مزحة من مبتدئين.

إريك شميدت: جوليان مصاب بجنون العظمة، غوغل لم يتعاون مع وكالة الأمن القومي

وفي وقت لاحق، تحول الشعار من“googolplex” إلى “google” ثم إلى “google.com” في إشارة إلى الأعداد الكبيرة جدا للمستخدمين. ورسخت في الأذهان صورة مغرية، لدرجة أن كل شيء يبدو الآن أنه يعمل لصالح الشركة. يقول أسانج إن غوغل “أعلن عن نفسه كقوة محررة كبيرة في العالم”. إنه ليس مجرد إضافة فعل جديد بعديد اللغات، أو أنه مجرد محرك بحث. الشركة وصلت حد التبجح القائل بأن غوغل هو جميع تلك الأشياء المفيدة لكل مستخدميه. وأضاف الموقع الالكتروني “لقد قطعنا شوطا طويلا بين غرفة النوم والمرآب”.

تمتلك الشركة أكثر من 70 مكتبا في أكثر من 40 بلدا مع “الجداريات والزخارف التي تعبر عن الشخصية المحلية لكل بلد. مستخدمو غوغل يتبادلون المكعبات، والخيام و“يكدسون” ألعاب الفيديو، وطاولات البلياردو والبيانو، إلى جانب المقاهي والمطابخ المصغرة التي تخزن الغذاء الصحي، وألواح الكتابة الجيدة من الطراز القديم لإثارة لحظة ما من زوبعة الأفكار”.

يقول أسانج إن غوغل ناقل هادئ للمعلومات. “في أقل من ربع ثانية، مستخدموه باللغة الإنكليزية يتحصلون على 7.3 مليار نتيجة، بمقدار نتيجة لكل شخص يعيش على كوكبنا”. من وجهة نظره غوغل هو أكثر من مجرد شركة. إنه يفتخر بأنه قوة من أجل الخير. ويقول إنه يريد “جعل العالم مكانا أفضل”. غوغل لا يهدأ. إنه المستقبل.

الاستعمار الرقمي

“عندما التقى غوغل مع ويكيليكس” كان ذلك محاولة لإذلال السلطة وفتح ترخيص اجتماعي مزور من جانب غوغل.

“خلافا لشركتي شل أو يونيليفر، فإن غوغل لا يبدو أنه شركة” حسب أسانج. كان جوهر هجومه أن غوغل جعل علم السياسة أكثر ظلاما من ذي قبل. وتحدث عن “الاستعمار الرقمي”. فهو “طريق مختصرة، فالعصر الرقمي ولد نوعا جديدا من الشركات المدعومة من الدولة مع عقلية “التبشير” ، وهو شكل من أشكال الوصاية التي تنتشر في العالم، وفي الحياة اليومية لملايين الناس، باسم “فعل الخير”.

سألت أسانج عما إذا كان يعتقد أن غوغل سوف يصبح نسخة القرن 21 من شركة “هنربول ايست إنديا كامبني”. ففي ذروتها، شكلت هذه الشركة ذات المساهمة الإنكليزية شركة للتجارة في حوالي نصف مناطق العالم، وهيمنت على سلع مثل الحرير، والملح، والقطن، والشاي والأفيون، وحكمت مناطق واسعة من الهند إلى جانب الجيوش الإنكليزية الخاصة والجهاز الإداري.

ويجيب بأن غوغل “أسوأ من الشركة الهندية، فهو على خلافها يعد محاولة للحفاظ على الهدوء في مجال السياسة. حيث ينكر طموحاته بخصوص السيطرة على العالم، والتشابك العميق والتعاون مع الحكومة الأميركية”.

والتهمة الموجهة إلى غوغل تتمثل في كونه يبحر سرا مع القوات البحرية، وليس القراصنة. يقول أسانج، إن غوغل الآن على درجة من التحكم في “القنوات الخلفية لدبلوماسية واشنطن”. عندما التقى غوغل مع ويكيليكس أثر ذلك على اتخاذ بعض القرارات السياسية.

عندما يلتقي غوغل بويكيليكس

ويضيف أسانج “قبل ثلاث سنوات، انضم غوغل إلى صفوف جماعات الضغط الأعلى من حيث الإنفاق في واشنطن” وهذه الجماعات هي “قائمة تضم عادة شركات عملاقة مثل غرفة التجارة الأميركية والمتعاقدين العسكريين، والشركات النفطية. ويحتل غوغل الآن المراتب لأولى في القائمة”.

أسانج هو صحفي استقصائي من الطراز العالمي وهو ماهر في تعقب الاتصالات والجناة. وكتابه الجديد مبني حول عملية بحث مضنية في الروابط التي تورط غوغل بشكل علني مع أعلى دوائر الدولة الأميركية. وقال إنه يورط شخصيات مثل جاريد كوهين، الذي انتقل في عام 2010 من وزارة الخارجية الأميركية، حيث كان مستشارا بارزا لوزيرتي الخارجية كوندوليزا رايس وهيلاري كلينتون، ليرأس “جماعات التفكير” الخاصة بغوغل. ينتقد أسانج خصوصا إريك شميدت، الذي شغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة غوغل بين عامي 2001 و2011، وهو الآن رئيسها التنفيذي. وقد قضى أسانج وقتا مع شميدت في منتصف عام 2011، ويصفه بأنه جزء من “سياسة واشنطن”.

والآن هو يدعم بشكل ضمني محاولة هيلاري كلينتون للوصول إلى الرئاسة، وقام شميدت بزيارات منتظمة إلى البيت الأبيض وسلم “الدردشات الساخنة” التي تمت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس. إنه يحب “الحفلات والزيارات الرسمية عبر خطوط الصدع الجيوسياسية”. ويصفه أسانج بأنه “وزير خارجية غوغل وأنه شبيه بشخصية هنري كيسنجر الذي كانت مهمته التنقل ومقابلة الزعماء الأجانب والخصوم من أجل تحديد مكانة غوغل في العالم”.

رد شميدت بمرارة على هذه الاتهامات قائلا لأي بي سي نيوز الأميركية إن “جوليان مصاب بجنون العظمة”. وأضاف “غوغل لم يتعاون أبدا مع وكالة الأمن القومي، وفي الواقع لقد خاض معركة حادة مع من فعلوا ذلك، جميع بياناتنا مشفرة بالكامل حتى لا يستطيع أحد أن يحصل عليها، وخاصة الحكومة”.

ما يؤرق أسانج بحق ليست الحفلات الفاخرة المقامة في مقر السفارة الإكوادورية، بل إنكار شميدت أن موظفي غوغل لهم علاقات سياسية وهم عبارة عن “باب دوّار” للعلاقات بين غوغل والحكومة الأميركية موضحا أن “رؤساء غوغل يعتقدون بصدق السلطة الحضارية للشركات متعددة الجنسيات، ويرون هذه المهمة على أنها تدعم عملية تشكيل جديدة للعالم على أساس أنه قوة عظمى خيرة”.

18