لماذا يطمئن الإرهابيون لقطر

الخميس 2014/08/28

تنجح، دائما، وساطات الدوحة مع الجماعات والعصابات التكفيرية والإرهابية، وهذا النجاح له أسس وقواعد ومتطلبات لا يستطيع أي مراقب إغفالها، أو تجاوزها، ولا التعامل معها بسذاجة وسطحية.

يمتدح البعض، بينهم سياسيون دوليون، الجهود القطرية للتوسط بين الإرهابيين والغرب، وحين يُختطف مواطن غربي، أو تتورط مجموعة أو جهة محسوبة على الغرب مع العصابات المتطرفة، تتجه الأنظار إلى الدوحة منتظرة منها التوسط، والتعامل مع الوضع لمصلحتها.

وفي أحيان كثيرة لا يبادر الغربيون الدوحة طلب النجدة، بل يجدونها هي من يكاد يبلغهم عن الواقعة عبر وسائل إعلامها القريبة من الإرهابيين والمتطرفين والتكفيريين بكل أنواعهم.

تهرعُ قطر، على الدوام، إلى الغرب حاملة لواء الوساطة، وكما تسمي بعض خلايا شرطتها بـ”الفزعة”، فهي تقوم بذلك حقا، فتفزع لنجدة الغرب عبر علاقاتها الوثيقة بالإرهابيين. تصور لو أن هذا الدور لعبته دولة أخرى في المنطقة، فبماذا سيصفها الغرب؟ تخيل لو أن البحرين، مثلا، هي من يتوسط، فماذا سيقال عن حكومتها.

بالطبع، ستتهم الحكومة بوابل من التهم، وستبادر الجهات الحقوقية إلى وضع المنامة تحت مجهر التحقق من علاقتها الوثيقة بالإرهاب، وإلا كيف يتاحُ لها أن تتوسط. لكن قبل كل ذلك، لماذا كل هذا “التجني” على قطر، فهل فعلها الخيّر وإنقاذها الأرواح المأسورة بين أيدي الظلاميين عمل لا ينبغي تقديره وشكره، وبدلا من ذلك يُتعامل معه على أنه جريمة.

يمكن لنا أن نحمل الشكر والعرفان إلى دور الدوحة العظيم في مواقف لا علاقة للإرهابيين بها، لكن عندما تتكرر الوساطات وتبدو الدوحة وكأنها زائر جهنم الدائم، وساعي البريد بين الكهوف والقصور، يحق لنا التساؤل، بكل شفافية، كما تعلمنا إياها مراكز الدراسات المتكومة في الدوحة: ما الذي يجعل الإرهابيين يطمئنّون إلى قطر ويقبلون وساطتها الدائمة؟

ما الذي في قطر يعشقه المتطرفون، فيقبلون شفاعة الحكومة القطرية بكل أريحية ورحابة صدر. ما الذي يغرمُ به التكفيريون في عمل الدوحة، فيتشرفون بعدم شرب القطريين فناجين قهوتهم إلا بعد تحقيق مطالبهم.

ألا يَجدر، إذن، بالعصابات التكفيرية، أن تطالب الدوحة بفتح مكاتب لها في كل كهف أو سرداب أو نفق، يتواجدون فيه لتسهيل مهمة الوسطاء القطريين. وبالمقابل، ألا يجب على وزارة الخارجية القطرية أن تضيف قائمة جديدة إلى سلكها الدبلوماسي، فتعين سفراء لها في بلاط كل حركة إرهابية.

للإجابة عن التساؤل حول مكانة قطر عند الإرهابيين، علينا التأمل في معنى الوساطة في السياسة الدولية. الوسيط لابد أن يكون مقبولا من الطرفين. وإذا كان طرف ما ينتمي إلى مجموعة إرهابية، فلابد من فحص دواعي وأسباب مقبوليته وحظوته عند هذه الحركة.

قبول الإرهابي بقطر وسيطا يعني اطمئنانه إليها وإلى دورها، وبالتالي فإن وجود هذه الطمأنينة لابد أن يثير التساؤل، عن ماهية هذا الشيء الذي يُطَمْئن المتطرف في قطر. هل هو الدعم المالي والإعلامي، أو هو الانسجام الفكري، أو العمالة، أو كل هذا مجتمعا؟

الوسيط يتمتع بصفات تسبق ما في ملف وساطته، وهي ترحيب الأطراف به، وحين يرحب بك إرهابي، ويقبل بك شفيعا، فهذا يعني أن لك حظوة عنده، ولديك معزة وقبول.

من صفات الوساطة لحل النزاعات، في العرف الدولي، أنها اختيارية وودية وسرية، وتتم عبر تدخل طرف ثالث محايد، وغير متحيّز. ولو طبقنا هذا التوصيف القانوني الدولي على معنى الوساطة، فهل يعني هذا أن قطر محايدة مع الإرهابيين وقضيتهم، وغير متحيزة ضد الاختطاف وأعمال هذه المجموعات المتنوعة بين السحل وجز الرؤوس وسبي النساء وبيعهن في الأسواق، وقتل الأطفال والعجائز.

هل إن الدوحة، حين تلعب دور الوسيط، فهذا يعني أنها محايدة وغير متحيزة ولا تلعب دورا ضد الجماعات التكفيرية والإرهابية، مما يجعلها في موقع الوسيط المثالي.

والوسيط في القانون الدولي ليس حكما ولا قاضيا، بل هو عنصر محايد. وهذا يثبت أن قطر تلعب دورا يجب التحقق في تفاصيله، وتنبيهها إلى أن الاستمرار في هذا الدور يعتبر مخالفا للقانون الدولي، الذي لا يشجع على الحياد ضد الإرهاب، ولا على عدم التحيز ضد البرابرة من قتلة الأبرياء.

والذي يثير الاستغراب أن الدوحة تدفع الملايين للعصابات الإرهابية كي تخلي سبيل المختطفين لديها، مما يعني تشجيع الإرهاب بطريقة تكاد تكون مباشرة، فحين يعلم المجرم أن هناك وسيطا ممتلئ الجيب ينتظر أن يكافئه على جهوده الإرهابية، فلابد أن يتشجع على اقتراف المزيد، لذا فإن رقبة الغربي ستصبح أغلى من رقبة الشرقي، فالغربي عند القطري مهم وهو يبقى وسيلة ناجعة للتقرب إلى حكوماته، ويا للنصر الذي سيحققه حين يفتدي بماله غربيا عزيزا على حكومته، لكن الشرقي المسكين غالبا ما يُجزّ رأسه ويحز ويرفع على الأعمدة، لأن لا حكومة قوية خلفه، ولا وسيط يتابع قضيته بكل اهتمام.

كل هذا يدعونا، أخلاقيا، إلى شجب أي وساطات مع العصابات الإرهابية، ليمكننا أن نضع الأمور في نصابها القانوني والأخلاقي معا. لا حياد مع الإرهاب، ولا مساومات، ولا وساطات، ومن يمارس ذلك، فهو، بالضرورة، يشجع الإرهاب ويدعمه.

من المفترض بهيئة الأمم المتحدة أن تعمل حثيثا على استصدار قرار أممي يجرّم التوسط مع العصابات الإرهابية والتكفيرية ومن لف لفها، ويعاقب من يدفع لها المال جزاء جرائمها، أو يستعملها لمصالح سياسية براجماتية.

لا يمكن لأي كان أن يتوسط ويدفع الملايين الطائلة، كما حدث في حالات عديدة، وفي الوقت نفسه يتحدث عن الحرب على الإرهاب ووقوفه ضد الجماعات الإرهابية. لا يقف على الحياد من يصف نفسه دولة متحضرة ضد الإرهاب والعنف.

لذا، فإن، من واجب الجميع الضغط على الحكومة القطرية للخروج من هذا الحياد العجيب، وعدم التحيّز في التعامل مع الإرهابيين، لا أحد يرحب بتشجيع الإرهاب وإقامة علاقة طيبة محايدة معه، وأن يكون وسيطا مرحبا به مقبولا من ثلة مجرمة هدفها القتل والعنف. إن كل ما ذُكرَ هو من أبجديات القانون الدولي، وتجاوزه من قبل دولة عضو في الأمم المتحدة لابد أن يعدّ جريمة تستحق العقاب.

ويظل السؤال: ما الذي يُطَمْئن الإرهابيين في قطر، ما هو هذا السحر القطري الذي يجعل الإرهابيين يقبلون بها وسيطا محايدا وغير متحيز.


كاتب صحفي سعودي

9