لماذا يظن الإسلاميون أنفسهم دائما على حق

وثوق الإسلاميين من صوابيتهم المطلقة وخطأ خصومهم ومعارضيهم متأت من احتكارهم الحصري للدين وكأنه أصل تجاري.
الجمعة 2020/06/05
كل التونسيين "فئة ضالة" في رأي الغنوشي

الذين وصفهم راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة الذي يترأس البرلمان في تونس بـ”الفئة الضالة” هم، وبالإضافة إلى كونهم أحزابا سياسية وكتلا برلمانية وقوى نقابية ومنظمات حقوقية وجمعيات مدنية وازنة في البلاد، جماهير حقيقية (وليست افتراضية) من مختلف الفئات الاجتماعية، تحتشد بعفوية واضحة، ولم يمنع من قوة ازدياد تدفقها غير أنظمة الحجر الصحي.. ومع ذلك احتشدت لتقول له “ارحل أنت وجماعتك”.

هذا التوصيف الموغل في المكابرة والاستهتار (الفئة الضالة) لم يجرؤ الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، على قوله أو استخدامه في وجه الجماهير الغاضبة عشية 14 يناير 2011 بل قال “فهمتكم”.. ولكن، بعد فوات الأوان.

ترى.. من أين جاء الزعيم الإخواني بهذا التعنت وهذه الثقة الزائدة بالنفس أمام واقع لا يحسد عليه، سواء كان ذلك من ناحية الضغوط الشعبية أو حتى من صلب حزبه الذي بدا في الفترة الأخيرة أشبه بسفينة تغرق، وتتقاطر منها أسماء قيادية كانت فاعلة بالأمس القريب، ضمن حركة شديدة الارتباط بتنظيم عالمي محكم البناء الهرمي.. ولطالما خلناه عصيا على الانشقاق والاختراق؟

تبيّن على أرض الواقع، أن الوهم والإيهام اللذين سيّجا بهما الإسلاميون أنفسهم، طيلة سنوات وعقود ـ وعلى طريقة قوة حراس المعبد المقدس ـ قد بدآ بالانحلال والتلاشي أمام حقائق لم تعد خفية على من كان مناصرا أو متعاطفا معهم بالأمس.

أبرز هذه الحقائق هي أن منصات التواصل الاجتماعي لم تكن موجودة أيام حسن البنا وغيره من الزعامات التاريخية، أيام كان الإخوان ينفردون بضحاياهم في المساجد ويغدقون العطاء على عملائهم في الأسواق التقليدية وتحت الطاولات وحول الموائد.

ضاق الحصار على الجماعات الإسلامية في ظل تطورات إقليمية ودولية، وتنامي الوعي الجماهيري بأن هؤلاء ليسوا إلا مجرد قتلة يختفون خلف أقنعة الدين.

لقد ظهر مارد اسمه مواقع التواصل الاجتماعي. صحيح أن هذا المارد الإلكتروني قد ساعد الإسلاميين في بدايات تغلغلهم وتجنيدهم لبعض الفئات المضللة، لكنه بدأ ينقلب ضدهم.. وها هي ذا صفحات فيسبوك، تعج بالعرائض وجمع التوقيعات المطالبة بتنحي رئيس البرلمان التونسي، لا بل بمساءلته عن ثروته غير المبررة، وتدعو إلى إحالته على المحاكمة بتهم تصل حد التآمر على أمن الدولة، وذلك على خلفية علاقته الوطيدة والمساندة والمشبوهة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وتدخله العسكري في ليبيا المجاورة، مما يفتح باب الإرهاب على مصراعيه في الحدود الجنوبية للبلاد.

ضاق الحصار على الجماعات الإسلامية في ظل تطورات إقليمية ودولية، وتنامي الوعي الجماهيري بأن هؤلاء ليسوا إلا مجرد قتلة يختفون خلف أقنعة الدين، بالإضافة إلى إفلاس مشروعهم الذي لا يجترح أي حل اقتصادي أو اجتماعي غير إفقار الناس وترهيب المجتمع. بدأ المواطن البسيط بالتذمر من جماعة كان يعتقد أن أفرادها “يخافون الله” وانتخبهم على أساس هذه القناعة في البلدان التي طمحت للتغيير ضمن مشروع ما عرف بـ”الربيع العربي”، لكنها اكتشفت من خلالهم “فصلا خامسا” يكشر عن أنيابه وينذر باليباب.
كل ذلك يحدث، يتفاقم ويتطور، في غفلة وبمكابرة من قيادات إسلامية تمتلك قناعة راسخة بأن السماء لن تخذلها، وأنها تمتلك إرادة من “إرادة الله” أو هذا ما توحي به إلى مناصريها ومنخرطيها ومخدوعيها، والمنتفعين من خلفها على كل حال.. وجاءت النتيجة أن قال التونسيون ـ وبشكل يبدو مفاجئا ـ للقيادي الإخواني الذي استنفد كل أساليب المناورة “ارحل”.. وبلهجة أكثر غضبا مما قالوها للرئيس الأسبق بن علي.. يكفي أن الرئيس الراحل كان لا يزال يحتفظ بمؤيدين وموالين انضم الكثير منهم الآن إلى الموجة المطالبة بإقالة الغنوشي وإحالته على المحاكمة.

من أين يأتي الإسلاميون بهذه “الثقة” التي تشبه عبارات قالها زعماء استبداديون في وجه معارضيهم قبل أن تنقلب ضدهم الجماهير في التاريخ الحديث والمعاصر؟ هل يظنون حقا أنهم يمثلون “إرادة الله” أم أن في الأمر خطة تشبه أسلوب جوزيف غوبلز في ألمانيا النازية “اكذب.. اكذب حتى تُصدّق”؟

هل ما زالت تسعفهم مفردات البلاغة التي انتهجها الإخواني التركي أردوغان عام 1997 وأدّت إلى سجنه آنذاك بتهمة التحريض على الكراهية الدينية، لكن ليس في كل مرة تسلم الجرة، لمن يريد تكرار عبارة هذا الإسلامي الأهوج “مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا.. مآذننا حرابنا.. والمؤمنون جنودنا.. هذا هو الجيش المقدس الذي يحرس ديننا”.

اليوم ليس البارحة بالتأكيد، وما صدح به أردوغان في ميدان ولاية سيرت، شرق تركيا، قبل ما يقارب ربع قرن، من شعر تحريضي حاقد، سوف يغيبه نهائيا عن الساحة السياسية التي يريدها قتالا جهاديا كما يوحي به حلفاؤه اليوم في العالمين العربي والإسلامي.

هذه “العربدة الأردوغانية” ما تنفك تنفش ريشها وتتمدد في المنطقة مستقوية بمناصريها والمطبلين لها، تستند في تعنتها على وهم مفاده أن الإسلام السياسي دوما على حق، وذلك لمجرد أن يستنطق تدغدغ المشاعر الدينية لدى العامة والبسطاء، ولكن هيهات، فالبسطاء لم يعودوا “بسطاء”، والعامة أدركت أن علاقتها بباريها لا تحتاج إلى وساطات سياسية، ولا إلى سماسرة ومشعوذين.

ارتبك الإسلاميون حين اهتزت عروشهم في تونس وغيرها من البلدان التي سمحت لهم دساتيرها بتشريكهم في حكم لا يؤمنون فيه بالشراكة أصلا، ولا في التداول السلمي على السلطة التي يعتبرونها غاية قصوى. انبرى زعيم حركة النهضة في تونس يناقض تقييمه لخصومه السياسيين، فساعة يعتبرهم “فئة ضالة” زاعما أنه يمتلك ناصية الشارع، وساعة يتهمهم بتأليب الشارع ضده.. حدد لنا مفهومك لـ“الشارع” يا شيخ راشد الغنوشي.. هل هو بهذه الهشاشة حتى تأخذه فئة ضالة، وأنت الذي تدعي بأن شرعيتك تستمدها من ثقة “الشارع” بك؟

لنتوقف قليلا عند تصريح زعيم حركة النهضة للإعلام التركي الموالي لأردوغان الثلاثاء الماضي، قال الغنوشي إن الدعوات إلى حل المؤسسة التشريعية، تشكل “دعوات إلى الفوضى واستقواء بالشارع، وركوبا على مشكلات حقيقية خاصة بعد جائحة كورونا”.

هل الشارع طرف ثالث ومحايد حتى يستقوي به فريق على آخر؟ كيف يستقوي بـ”الشارع” من جاء بقوة الشارع وشرعيته، أم أن السياسة في عرف ومفهوم الغنوشي، هي لعب بمعزل عن الشارع الذي يمكن تحييده متى شاء، وتشريكه ـ باسم الشرعية ـ متى شاء؟

الغنوشي وقع نهاية حزبه الإسلامي
الغنوشي وقع نهاية حزبه الإسلامي

وعن حديثه عن الدستور الذي يتحفظ حوله الإسلاميون، ويعتبرونه أمرا ثانويا وهامشيا أمام “الشريعة”، يقول زعيم حركة النهضة للإعلام الأردوغاني “الدستور التونسي وضع آليات محددة لحلّ البرلمان، ومن يريد أن يذهب بهذا الاتجاه، فعليه أن يتّبع الآليات الدستوريّة، وستظلّ مثل هذه الدعوات خارج السياق الدستوري، فتلتقي موضوعيا مع الفوضى التي تهدد كيان الدولة ومصالح الشعب”.

كل القيم الدستورية والضوابط القانونية تعتبر مطاطة لدى الإسلاميين، ويمكن استحضارها أو تغييبها بحسب المصلحة ومقتضى الحال.

طبعا، هوامش المناورة تختلف بين بلد وآخر، وبحسب الطبيعة المجتمعية ورسوخ مؤسسات الدولة المدنية، فما هو مستباح في دولة رقيقة العود ضعيفة التحصين المدني مثل موريتانيا والسودان، يبقى صعب المنال في بلدين مثل تونس ومصر. ولعل أبرز دليل على ما تقدم هو الجدل حول صناديق الزكاة ووجهاتها في رمضان الماضي، ففي الوقت الذي حاولت النهضة تكريسها عبر بعض البلديات التي تضع يدها عليها، لكن المجتمع المدني كان لها بالمرصاد، ردّت منابر الإخوان المصرية في تركيا على تصريح دار الإفتاء المصرية بحملة من التشكيك قادها حمزة زوبع، مؤكدا أنّ أموال الزكاة ستذهب إلى الدولة، وحذّر المصريين من إرسال أموالهم لأي مؤسسات خيرية في مصر، بل تجاوز ذلك ليطلب من المقيمين في الخارج عدم تحويل أموالهم، للضغط على مصر اقتصاديا، فالأولوية عند الإخوان أن يبقى الجوعى والمرضى والمحرومون أدوات للصراع الذي يمارسونه بهدف الوصول إلى السلطة.

الإسلاميون يظنون أنفسهم دوما على حق، وكان ذلك متأتيا من نوع من الاحتكار الحصري للدين وكأنه “أصل تجاري” أي “فروغ” بلغة سماسرة الأسواق. هذا الاعتقاد يتأتى من كون الإسلاميين يظنون أنفسهم أوصياء على الدين والدنيا، و“حراس معبد” بلغة القرون الوسطى في العالم المسيحي.. ألم تأت هذه العقلية على القارة العجوز بالويلات ثم جاءت الثورة الفرنسية وغيرها لتحرر البلاد من سلطة الدين والإقطاع السياسي، في الوقت الذي “كانت فيه الكنيسة تتلألأ والفقير جائع”.

كل التباشير تدل على انتهاء العصر الذي يظن فيه الإسلاميون أنفسهم بأنهم على حق، وذلك بفعل عوامل عديدة، لعل أهمها كان فايروس كورونا، والمتاجرين باسمه.

13