لماذا يعجز السودانيون عن حل معضلة دارفور

إقليم دارفور يمثل مشكلة بالنسبة إلى الحكومة الانتقالية في السودان ولمسار السلام عموما.
الخميس 2021/04/15
أزمة حادة

دارفور (السودان) - يشكل إقليم دارفور مشكلة مزمنة بالنسبة إلى الحكومة الانتقالية في السودان ولمسار السلام عموما، إذ رغم بعض النجاحات التي تم تحقيقها وأبرزها حدوث اختراق لتنظيمات متمردة كانت شوكة في عهد نظام عمر البشير، وإقناع بعضها بسلك طريق المصالحة الشاملة، فإنه لا أفق قريبا لحل الأزمة.

وتكشف الأحداث الأخيرة في غرب دارفور، والتي دفعت رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول عبدالفتاح البرهان إلى التوجه إلى الإقليم مؤخرا والالتقاء بوفد قوى الحرية والتغيير برئاسة طه عبدالنبي مستشار والي غرب دارفور للشؤون السياسية للوقوف على ما يحصل هناك، عن هشاشة الوضع في الإقليم المشتعل منذ ما يقرب من عقدين من الزمن.

ورغم أن البرهان أكد خلال لقاء عبدالنبي التزام مجلس السيادة بتحقيق الاستقرار ودعم العملية السلمية بالإقليم، فضلا عن تعزيز قيم السلم الاجتماعي، لكنّ المتابعين أعادوا التساؤلات القديمة إلى الواجهة، حول المستفيد مما يحصل، وهل أن ذلك مؤشر على صراع قبلي أم تطهير عرقي متجدد تقف وراءه بعض الأطراف التي تعمل على إشعال الصراعات القبلية كجزء من استراتيجيتها لاستنزاف السلطة الانتقالية وإرباكها على أكثر من جبهة.

وتتضح معالم حدة الأزمة بوضوح من خلال ما أعلنت عنه المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة الثلاثاء الماضي، بأن أعمال العنف الجديدة في غرب دارفور دفعت قرابة ألفي سوداني للنزوح إلى تشاد هربا من المواجهات. وقال المتحدث باسم المفوضية بابار بالوش إن “بعض هؤلاء نزحوا أكثر من مرة في الأشهر الأخيرة، وأن الأحداث التي بدأت في الثالث من أبريل الجاري أوقعت 144 قتيلا على الأقل”.

ويعاني إقليم دارفور من اضطرابات منذ العام 2003 عندما حملت السلاح مجموعات تنتمي إلى أقليات أفريقية وحركات مسلحة متمردة بحجة تهميش الإقليم سياسيا واقتصاديا، في وجه حكومات البشير المتعاقبة، والتي ناصرتها مجموعات عربية أودى بحياة حوالي 300 ألف شخص، وشرد نحو 2.5 مليون آخرين، كما تشير إلى ذلك إحصائيات الأمم المتحدة.

ومع أن حدة القتال تراجعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أن الاشتباكات القبلية ما زالت مصدر التهديد الرئيسي للأمن في الإقليم. فقد قاتلت ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور ضد البشير في السابق، هي العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم، وجيش تحرير السودان بزعامة مني مناوي، وتحرير السودان، التي يقودها عبدالواحد نور.

وكانت الدلائل تشير منذ إسقاط نظام البشير إلى أن الأمور ستتم تسويتها بالطرق السلمية من خلال الحوار وقد تم تتويج ذلك المسار في نهاية ديسمبر الماضي، عندما أنهت بعثة حفظ السلام المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي (يوناميد) رسميا مهمتها في الإقليم التي بدأتها في عام 2007 وكانت تفضي بتحقيق الاستقرار في المنطقة.

بعض الأطراف تعمل على إشعال الصراعات القبلية كجزء من استراتيجيتها لإرباك السلطة الانتقالية على أكثر من جبهة

ويرى القريبون من الأحداث ومعظم القوى السياسية في السودان أن ما حصل في مدينة الجنينة مؤخرا ليس سابقة في عهد رئيس الحكومة الانتقالية عبدالله حمدوك، فهذه الخلافات القبلية في عموم الولايات الغربية، أو في مجتمع غرب دارفور لم تتوقف طوال عقود من الزمن وربما تم تحجيمها في عهد الإنقاذ بسبب نظام الحكم المعتمد حاليا.

وفي الواقع، هناك إرث وتراكمات تاريخية تعيق إنهاء مشاكل الإقليم المزمنة، إذ يعود السبب الرئيسي لاندلاع الحرب في الإقليم إلى اضطهاد القبائل غير العربية وانعدام المساواة، لكن الأمور يبدو أنها تشعبت أكثر وأخذت منحى يتعلق بالولاءات لمن هم في السلطة أدت في نهاية المطاف إلى استمرار الاضطرابات بشكل لا يمكن لأي أحد على الأرجح أن يوقفه إلا من خلال ترسيخ الفاعلين في المشهد السياسي اليوم أسسا جديدة لوضع حد نهائي للأزمة.

ويقول رئيس حركة العدل والمساواة الفريق منصور أرباب في تصريحات نقلتها عنه وسائل إعلام مؤخرا إن الأزمة في دارفور وبصفة خاصة في غرب دارفور تراوح مكانها منذ تسعينات القرن الماضي، عندما استعان نظام البشير بأجانب من بعض القبائل العربية، من دول النيجر وتشاد ومالي وأفريقيا الوسطى.

ولفت إلى أن نظام البشير وعد هؤلاء بامتلاك الأراضي مقابل طرد السكان من قبائل المساليت والفور والزغاوة وكل القبائل الغير عربية، وبذلك حصل تغيير في الخارطة الديموغرافية مما تسبب في غضب السكان المحليين في الإقليم.

وخلال عهد البشير، كانت الحكومات المتعاقبة تمتص غضب السودانيين بمشاريع التنمية والبناء والتوسع في التعليم الولائي والتوعية في الأرياف، مما شغل الناس وقتها عن الصراعات غير المنتجة واتجهوا آنذاك إلى التعمير والعمل والمشاركة في مسيرة التنمية لكنهم لم يقفوا على نتائج ملموسة تجعلهم يحققون طموحاتهم.

ففي مارس 2003، طالبت حركة العدل والمساواة وحركة جيش تحرير السودان بتقاسم أكثر عدالة للسلطة والثروات بعد أن بدأ تمرد أقليات عرقية في دارفور ضد نظام الخرطوم آنذاك، والتي كانت تدعم ميليشيات الجنجويد وسيطر المتمردون على مدينة قولو في ولاية شمال دارفور.

وتكمُن المشكلة الأكبر في وجه مسار دارفور في عدم التوافق على ممثلي أصحاب المصلحة، الذين يشملهم السلام، ومن المقرر أن يجري تطبيق بنوده عليهم، في ظل خلافات متفاقمة بين قيادات الحركات المسلحة المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية (العدل والمساواة)، وبين عدد من القبائل النافذة هناك، وقيادات معسكرات اللاجئين والنازحين.

 
7