لماذا يفضل الأزواج علاقة زوجية متأرجحة على الانفصال

استمرار الشريك في علاقة مسيئة سببه التعلق بالطرف الثاني.
السبت 2020/12/12
قطع العلاقة أمر صعب رغم الأذى

تؤدي العلاقة الزوجية السامة إلى جعل شريك الحياة في حالة دائمة من انعدام الأمان والاستقرار، نظرا لعدم قدرته على التنبؤ بتصرفات شريك حياته أو بمدى التزامه العاطفي تجاهه، مما ينعكس بشدة على صحته النفسية والعاطفية والجسدية. وفي حين يسعى الكثيرون إلى التخلص من هذه العلاقة عن طريق الانفصال، يجد آخرون صعوبة في القيام بذلك رغم الأذى المسلّط عليهم.

يجد أزواج كثر أنفسهم غير قادرين على تحسين علاقاتهم الزوجية التي تتدهور يوما بعد يوم، وفي نفس الوقت لا يرغبون في الانفصال لأنهم يخشون من الإقدام على هذه الخطوة، حيث يشعر شريك الحياة بأنه لا يمكنه الخروج من هذه العلاقة السامة، وغالبا ما يرى أن المغادرة صعبة بالفعل، وتترك آلاما وحزنا أصعب من استمرارها، على الرغم من أنه السبيل الوحيد للنجاة.

وأكدت هادية بوغانمي، متزوجة منذ حوالي 25 سنة وأم لأربعة أبناء، أن علاقتها مع زوجها تتسم بالتوتر وكثرة الخلافات والتسلط، وعندما سألتها إحدى قريباتها عن سبب استمرارها في هذه العلاقة المدمرة وعدم وضع حد لها منذ البداية، أجابتها بأنها لم تستطع ذلك.

وقالت إنها على الرغم من معاناتها من هذه العلاقة ومن الإساءة التي تعيشها باستمرار، ترى أنها غير قادرة على الابتعاد عن زوجها كما أنها لا تتصور حياتها دونه، وتشعر بالعجز والوحدة والخوف من المجهول في غيابه.

وأكد خبراء أن العلاقة السامة يشعر فيها أحد الطرفين أو كلاهما بعدم الراحة وأن هناك شيئا مزعجا لا يمكن تحديده ويستنفد طاقة أحد الطرفين، كأن يجعل المرء شريكه ينهمك به طوال الوقت إلى درجة تجعل هذا الأخير يصاب بالإرهاق الجسدي والنفسي. وأشاروا إلى أنه في العلاقات السامة تكثر المشاكل والخلافات، وتغيب نقطة التقاء تسمح ببناء علاقة صحية تنمو بشكل تشاركي وتضمن الأمان والطمأنينة للطرفين.

ولفت خبراء إلى أن الخلل في شخصية أحد طرفي أيّ علاقة هو القاعدة في العلاقات السامة، حيث ينخرط الشريك السيء في السلوكات المسيطرة والتلاعب غير اللائق يوميا إلى حد كبير، ولكن أي علاقة تنطوي على العنف الجسدي أو تعاطي المخدرات هي بحكم تعريفها شديدة السمية وتتطلب تدخلا فوريا وفصل الشريكين، وذلك على الرغم من أن هذه العلاقات ليست بالضرورة غير قابلة للإصلاح، إلا أنها مدمرة.

الطيب الطويلي: الانفصال الصامت بين الزوجين أخطر وأكثر وطأة من الطلاق العادي والقانوني
الطيب الطويلي: الانفصال الصامت بين الزوجين أخطر وأكثر وطأة من الطلاق العادي والقانوني

وأوضحوا أنه في بداية أي نوع من سوء المعاملة، تحاول الزوجة في الغالب التكيف مع الموقف معتبرة أنه مجرد مرحلة في علاقتها، لافتين إلى أن ضحايا الاعتداء العاطفي والنفسي غالبا ما يكونون غير مدركين لما يجري بالفعل ولآثاره في وقت لاحق، مؤكدين أن معظم ضحايا سوء المعاملة العاطفية غالبا ما يعانون من الشعور بالعزلة وأنه ليس لديهم أصدقاء أو عائلة يثقون فيها، ويلعب الشريك المسيء دورا كبيرا في هذا الأمر.

وأضافوا أنه غالبا ما يكون للزوجة التي تقع ضحية الإيذاء العاطفي شعور بالذنب، لأن الزوج المسيء يلومها دائما حتى تعتقد أن ما يحدث هو بسبب خطئها، مما يجعلها غير قادرة على اتخاذ قرار الانفصال.

وأكد الدكتور الطيب الطويلي، المختص في علم الاجتماع، أن الانفصال الصامت بين الزوجين يعتبر أخطر وأكثر وطأة من الطلاق العادي والقانوني، ذلك أن الطلاق يضع حدّا قانونيا وشرعيا بين الطرفين، ويؤسس لحياتهما الجديدة بعيدا عن بعضهما وينظم زيارات الأبناء ويحدد حجم الإنفاق وكل التفاصيل الأخرى. أما في وضعية الزواج السام، فإن الطلاق يقع عاطفيا وجنسيا وحتى ماديا بين الزوجين، ولكن مع بقائهما تحت نفس السقف، والتظاهر الشكلي بالوفاق والانسجام، وهو ما يزيد من مراكمة الضغائن والمكبوتات بين الزوجين ويرفع من منسوب التوتر بينهما والذي قد يصل إلى حالات العنف اللفظي أو الجسدي، وهو ما يكون له انعكاس مباشر ومدمر خاصة على الأبناء ويؤدي إلى تنشئتهم تنشئة اجتماعية مختلة.

وأوضح الطويلي لـ”العرب”، أن “هذا النوع من الانفصال يكون غالبا خوفا من المجهول الذي يمثله الطلاق القانوني للبعض، حيث يفضلون استمرار الوضع على ما هو عليه إما حفاظا – في نظرهم – على استقرار الأبناء، وإما خوفا من نظرة المجتمع الواصمة للطلاق بشكل عام أو حفاظا على الوضعية المادية خاصة بالنسبة إلى الذكور الذين يمثل لهم قانون النفقة في تونس مشكلة كبيرة وعامل ضغط يمكن أن تستغله المرأة وتحول طليقها إلى مفتش عنه ومهدد بالسجن”.

وأضاف “التونسيون يتذمرون غالبا من قانون النفقة الذي يعتبره البعض مكبلا، حيث تشير بعض الإحصائيات إلى أن مئة ألف تونسي ملاحقون أمنيا على خلفية النفقة الزوجية”.

وأشار إلى أن الانفصال الصامت أو ما يسمى أيضا بـ”التعايش القسري” هو من المسكوت عنه في المجتمع التونسي، وذلك للأسباب آنفة الذكر، وهو أمر تعاني منه النساء أكثر بكثير من الرجال، حيث غالبا ما تفضل النسوة الطلاق ولكن الذكر يتهرب خوفا من التتبعات القانونية والمادية التي قد تلحقه.

وقال المختص التونسي إنه “عبر البعض من المقابلات السوسيولوجية التي قمنا بها حول الجنسانية والأسرة، اكتشفنا أن الذكر غالبا لا يعترف بهذا الانفصال الصامت إن وجد وقلّ ما يتحدث عنه إلى أحد حتى من المقربين لديه إلا إلى طبيب نفسي مختص، حيث يعتبر أنه يمس من رجولته. فالرجل يعتبر أن عليه القيام بواجباته الجنسية مع قرينته حتى إن اختفت العاطفة أو حتى إذا كان شعوره تجاهها نافرا أو كارها، باعتبار أن الجنس عند الذكر غير مرتبط بالعاطفة كما هو الأمر بالنسبة إلى الأنثى”.

وتابع موضحا “أما المرأة فغالبا ما تكون أكثر تعبيرا عن تذمرها من الانفصال الصامت، ومن هجران زوجها لها في المضجع، كما أنها تكون الأكثر مطالبة بالطلاق من الرجل في هذه الحالة، وهي ملاحظة تشير إلى أن المرأة التونسية تدحض الفرضية التي تقول إن النساء الشرقيات لا يطالبن بالطلاق ويخيرن القبول بالزيجة المهينة على أن يأخذن صفة ‘مطلقة’ بما تحمله من وصم لهن”.

وأكد الخبراء أن فكرة الانفصال تعتبر مفزعة بالنسبة إلى الكثيرين ممن هم غير سعداء بشكل مزمن في الزواج خوفا من أن يؤذي هذا القرار أطفالهم، منبهين إلى أنه من المهم أن تأخذ مشاعر الأطفال حول الطلاق على محمل الجد، ومن الضروري التعاطف معهم والتحدث عن تأثيره عليهم.

فكرة الانفصال تعتبر مفزعة بالنسبة إلى الكثيرين ممّن هم غير سعداء بشكل مزمن في الزواج خوفا من أن يؤذي هذا القرار أطفالهم

ومع ذلك، فإن فكرة الحفاظ على زواج سيء أفضل من الانفصال هي فكرة مشكوك فيها، حيث يرى المختصون أنه أكثر ضررا حيث يمثل قضاء الكثير من الوقت في منزل مليء بالعواطف السلبية والتوترات والصراعات المزمنة صدمة بالنسبة إلى الأطفال.

ومن جانبها، قالت المختصة النفسية نوارة السيد لـ”العرب”، “يفضل بعض الأزواج الاستمرار في العلاقة على الرغم من وجود مشكلات أسرية لعدة أسباب، منها وجود أبناء ومنها ارتفاع تكاليف الزواج والمؤخر في حالة الطلاق، فبدلا من أن يخسر الزوج المال ربما يفكر في الاستمرار أملا في إصلاح العلاقة وأن تقوم الزوجة برفع قضية خلع”.

ولفتت المختصة المصرية إلى أن إدمان بعض الأزواج واعتمادهم على زوجاتهم قد يجعلهم يستمرون في هذه العلاقات مع وجود بعض الاضطرابات النفسية أيضا.

ويقول المحلل النفسي والمعالج للأزواج والعائلات باسكال أنغر، إن البعض ممن عانوا من فراق قاسٍ في سالف حياتهم يحتفظون بذكرى سيئة عن الطلاق، ويجدون صعوبة في التخلي عن الزوج حتى وإن كانوا يعيشون بشكل سيء معه، لأنهم قلقون بشأن الفراق ويخافون من البحث عن مكان آخر.

وأضاف أن الترابط بين الزوجين في بعض الأحيان مرضي، حتى أن أحدهما لا يعرف كيف يتصرف دون الآخر، مبينا أن هناك حالات يناضل فيها الزوجان من أجل الانفصال سنوات، إلا أنهما ينتكسان في النهاية.

وكشفت المختصة في علم النفس العصبي الدكتورة روندا فريمان، أن جزءا كبيرا من استمرار الضحية في علاقة مسيئة أو سامة سببه إدمانها للطرف الثاني المؤذي، ويكون من الصعب جدا عليها التحكم في مشاعرها أو اتخاذ قرارات منطقية.

21