لماذا يقطعون الرؤوس

الجمعة 2014/08/01

عندما فرغ والي الشام من خطبة وصلاة عيد الأضحى أشهر سيفه موليا وجهه شطر الجعد بن درهم، وكان مكبلا بجانب منبر الإمام، ثم قال للناس: “انصرفوا لأضحياتكم وضحّوا تقبّل الله أضحياتكم، أما أنا فإني مُضَح بالجعد بن درهم، لأنه أنكر أن يكون الله قد كلم موسى تكليما.” ثم قام إليه وذبحه من الوريد إلى الوريد. كان المشهد مريعا لكنه كان مألوفا في زمن كانت فيه الدولة تملك سلطة الموت.

ويبقى المراد هذه المرّة بعث عدة رسائل: أولا، عزم الدولة على تصفية معارضي الأيديولوجيا الجبرية والقائلين بحرية الإنسان واستقلال إرادته عن المشيئة الإلهية. ثانيا، وحدها الدولة من يحتكر الحق في ممارسة العنف باسم الدين: الحدود، الفتوحات، الغزوات، السبي، الفيء، الجزية، وفوق ذلك حد الردة والذي أمسى السلاح الأشد فتكا في يد الاستبداد السياسي، فهو لا يحتاج حتى إلى محاكمة إذ أنه مجرد تنفيذ للحكم الإلهي. ثالثا، يبقى أسلوب الذبح أقرب ما يكون إلى الطقس الديني لا سيما حين يُرفق بالبسملة وأصوات التكبير، غير أن منابع العنف هنا لا تنحصر ضمن دائرة الوعي الإسلامي، وإنما هي أعمق من ذلك إذ تبلغ مجال اللاشعور الديني البدائي.

غاية العنف في مشهد ذبح الجعد بن درهم-وبلغة فقه الاحتراب- هو إلقاء الرعب في قلوب “الأعداء”. وفعلا فإن الذبح هو أقسى وأقصى درجات عنف الإنسان ضد أخيه الإنسان. لماذا؟ لأنه يستدعي من القاتل أن يحذق في عيني الضحية بصمت، ثم يقطع شرايين العنق بأناة، ثم يزج الرأس بثبات، وكل هذا دون أن ترتعش يداه، مطمئنا إلى أن الله سيتقبل منه الأضحية. لذلك كانت الدولة في الإسلام تحاول أن تحتكر لنفسها الحق في ممارسة هذا الرعب المريع.

مضت عقود طويلة ساد فيها الاعتقاد بأن طقس التضحية بالإنسان تقربا لله وقربانا أصبح من مآسي المعتقدات البدائية، والتي وإن لم تنجح العقائد التوحيدية في نسخها بالكامل، فقد نسخها الزمن بفعل التطور الأخلاقي للبشرية وبفعل الأزمنة الحديثة. وحتى بالنسبة لمن استمروا في ممارسة العنف الديني، فقد أصبحت أمامهم وسائل جديدة للعنف بديلا عن أسلوب الذبح.

لكن، لا أحد كان يظنّ بأنّ تطور تقنيات العنف، من خلال المسدس والرشاش والقنبلة، سيفسح المجال فجأة أمام عودة المكبوت البدائي المتمثل في الذبح بواسطة السكين.

لقد ارتبط اسم “أبو مصعب الزّرقاوي” بعودة المكبوت البدائي في شكل طقوس جماعية لقطع الرؤوس وذبح الإنسان تحت صيحات التكبير وقراءة القرآن. ارتبط ذلك الاسم المرعب بتحول في استراتيجية الرعب من الاقتصار على التفجير، حيث لا يرى المشاهد من الرعب إلا آثاره، إلى طقوس الذبح بالصوت والصورة حيث يرى المشاهد تفاصيل الرّعب كاملة بكل ملامحها فتشل قدرته على النقد والمقاومة وينتهي إلى الاستسلام لمصدر الرعب ذاته. وهي الاستراتيجية التي ستنتهجها في الأخير جماعات كثيرة مثل النّصرة وداعش في العراق وسوريا على سبيل المثال.

وقد يحار العقل والوجدان من حجم المواقع الجهادية التي تدافع عن منهجية إثارة الرعب في قلوب «الأعداء» عبر أسلوب قطع الرّؤوس، واعتماداً على آيات مقتطعة من النّص القرآني ومعزولة عن سياق التّنزيل وظروف المخاطب، من قبيل: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب)، (فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان)، والتي يأخذها البعض كأوامر إلهية مطلقة لكل مسلم في كل أو جل الظروف والأحوال، على طريقة عبد السلام فرج حين فهم (كتب عليكم القتال) باعتبار القتال هنا فرض عين قياسا على (كتب عليكم الصيام)! يضاف إلى ذلك ما نُسب إلى الرسول: جئتكم بالذبح! بحيث أصبحنا في الأخير أمام حالة عصابية غير مسبوقة، يبدو فيها مشهد الذبح كأنه شعيرة مشروعة تستوجب التقاط الصور وربما البث المباشر.

بالنسبة لقاطعي الرؤوس ذاك هو القرآن، ضرب للرقاب وقطع للأعناق، وتلك هي السنة، ذبح ونحر، وغير ذلك إما أنه حكم منسوخ أو حديث ضعيف. سبحان الله، ينسخون ما يشاؤون ويضعفون ما يشاؤون ولله عاقبة الأمور!

من حسن الحظ أننا نحفظ عن ظهر قلب الكثير من آيات التسامح والعفو والرحمة، غير أن العقل المهووس بالذبح يجعلها ضمن الآيات المكية والتي- في حال تضاربها مع آيات القتال- يعتبرها منسوخة من طرف القرآن المدني. والنتيجة أن (لا إكراه في الدين) منسوخة! و(لكم دينكم ولي دين) منسوخة! و(لست عليهم بمسيطر) منسوخة! و(ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) منسوخة إلخ!

هنا، ودون الدخول في حقيقة الناسخ والمنسوخ ودلالات النسخ، فإننا نواجه هذا الرأي الذي يقول بالنسخ بنفس منطقه فنقول: لنفترض أنّ بعض أو معظم أحكام القرآن المدني ناسخة لبعض أو معظم أحكام القرآن المكي، وذلك باعتبار أن المرحلة المدنية لاحقة عن المرحلة المكية، أليست هناك مرحلة مكية ثانية أعقبت المرحلة المدنية نفسها، بعد فتح مكة!

أليست المرحلة المدنية التي يستند إليها المتطرفون مجرد مرحلة انتقالية بين مرحلة ما قبل الهجرة، ومرحلة العودة، أي الفتح؟

على الأرجح، بعد فتح مكة لم تنزل على رسول الإسلام أي آية تحفز على القتال أو تعلي من شأنه. وهذا ينسجم مع تحقّق غاية الرسالة المحمدية: (لتنذر أم القرى وما حولها). وحتى على افتراض أن الحاجة للقتال استمرت فقد أمسى القتال هذه المرة بلا حوافز، عدا الآية التي تقول: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكُلاًّ وعد الله الحسنى) الحديد، 10.

لربّما يبدو القتال هنا باق و”مأجور” أيضا حتى بعد فتح مكة. وهو كذلك، لكن، ألم تقلص الآية من حوافز القتال؟ ألم تقرر أن تخفض من أجر المقاتل؟ وبعد أن يعلم المقاتل بأنه سيحصل على أجر أدنى ممن سبقوه فهل سيكون أكثر تحفيزاً؟

بالنظر إلى الآيات التي تندرج على الأرجح ضمن الآيات الأخيرة في تسلسل النزول (سورة النصر، تكملة سورة المائدة، إلخ) واضح أن القتال لم يعد مفهوما مركزيا بعد فتح مكة، ذلك الفتح الذي ليس اعتباطاً أن يسمى بـ”الفتح” بألف ولام التعريف.

فعلاً لن ينقذنا من فظاعتنا ووضاعتنا سوى فهم جديد لروح الدين ولرسالة الإسلام. وإن جهدا جهيدا لينتظرنا. لكن لا مناص. إذ ليس هناك أسوأ من أن نترك الدين لقوى الجهل المقدس والجريمة بتفويض إلهي.


كاتب مغربي

8