لماذا يقف الأبناء حجر عثرة أمام زواج المسنين في الدول العربية

كلما تقدم الآباء أو الأمهات في السن تزداد احتياجاتهم النفسية والعاطفية وخاصة احتياجهم إلى الاهتمام والعناية بعد فقدان الشريك، مما يدفعهم إلى البحث عن شريك يشبع تلك الاحتياجات في ظل انشغال الأبناء بحياتهم الخاصة وأسرهم، فيكون الحل في الزواج ممن يماثلهم في نفس العمر، ويشاركهم ذات المعاناة، وهو ما يعترض عليه الأبناء رافضين ذلك الزواج، ويقفون حجر عثرة في طريق سعادة آبائهم وأمهاتهم، من أجل أغراضهم الشخصية والتي قد تكون اجتماعية أو نفسية أو مادية.
الأربعاء 2017/07/19
الوحدة تدفع كبار السن إلى الإصرار على الزواج

أوضحت دراسة أنجزتها جامعة سلامنكا الإسبانية، أن المتزوجين من كبار السن تتحسن لديهم الحالة الصحية ويكونون أقل عرضة للإصابة بأمراض العظام والشيخوخة، حيث أشارت الدراسة إلى دور العامل النفسي وتأثيره الكبير في تجنب سقوط المسنين وإصابتهم، لأن الحالة النفسية الجيدة الناتجة عن الزواج أو العيش مع الآخرين تمنع الشرود الذهني وتشتت الانتباه.

وقد أشارت إحصائية أعدها باحثون عرب، إلى أن ما يزيد عن 65 بالمئة من الأبناء يرفضون زواج آبائهم المسنين، بينما ترتفع تلك النسبة إلى 80 بالمئة ممن يرفضون زواج أمهاتهم عندما يتقدمن في السن، وهو ما أرجعه الباحثون إلى عادات وتقاليد المجتمع والموروثات الثقافية التي تمنع الوالدين كبار السن من الزواج وتعتبره أمرا غير مرحب به.

وتأتي تلك الإحصائية في ظل تبني عدد من دور المسنين مبادرات لزواج نزلائها خاصة إذا وجدت الألفة بين طرفين كإحدى الطرق لتحسين حالتهما النفسية والاجتماعية وتحقيق السعادة لديهما.

ووفقاً لنشرة الزواج والطلاق في مصر خلال عام 2015، بلغت نسبة عقود الزواج بين المسنين 1,9 بالمئة من إجمالي العقود، بينما بلغت نسبة شهادات الطلاق 8,4 بالمئة من إجمالي العقود.

وحول ذلك يقول أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس في مصر، محمد خليل “عادات وتقاليد المجتمعات الشرقية ونظرة المحيطين السلبية إلى المسن أو المسنة من الذين يقدمون على الزواج في سن متقدمة، تعتبر من أبرز الأسباب التي تدفع الأبناء خاصة الذكور منهم إلى رفض فكرة زواج الآباء، ويزدادون حدة في الرفض إذا كان الأمر يتعلق بالأم، حتى وإن كانوا يعانون من الوحدة والاحتياج النفسي، بل يصل الأمر أحيانا إلى الصدام بين الأبناء والآباء لمنع هذا الزواج”.

80 بالمئة من الأبناء يرفضون زواج أمهاتهم عندما يتقدمن في السن

وأضاف قائلا “يدفع احتياج الآباء النفسي للشريك حين تتقدم بهم السن، إلى إصرارهم على الزواج، ويزداد إصرارهم في ظل استقلال الأبناء في حياتهم الخاصة وانشغالهم بأبنائهم وزوجاتهم، في المقابل قد يتعنت الأبناء في الرفض فيحدث صدام غير محمود العواقب على صلة الرحم، قد يصل أحيانا إلى القطيعة وعقوق الوالدين”.

وتابع خليل موضحا “هناك أسباب أخرى غير الأسباب الاجتماعية تدفع الأبناء إلى رفض زواج آبائهم وأمهاتهم، منها ما هو نفسي ويتعلق بعدم قدرة الأبناء على رؤية امرأة أخرى تشغل مكانة الأم في الأسرة، ويزداد الأمر صعوبة بالنسبة إلى إمكانية استيعاب فكرة أن يحل رجل آخر مكان الأب”.

كما أن الأنانية تلعب دورا رئيسيا في اعتراض الأبناء على هذا الزواج خوفا من نظرة المجتمع السلبية لهم، أيضا هناك أسباب مادية تكون خفية وتبرز بقوة لرفض زواج الآباء، وتتعلق بالميراث ورغبة الأبناء في الاستحواذ على ممتلكات وأموال الوالدين وعدم مشاركة آخرين فيه.

ولفت خليل إلى أن طبيعة علاقة الأبناء بآبائهم وأمهاتهم خاصة عندما يتقدمون في العمر، تلعب دورا مؤثرا في إقدامهم على التفكير في فكرة الزواج في هذا العمر المتقدم، فغالبية الأبناء عندما يتزوجون وتكون لهم حياتهم الخاصة يعتبرون أن احتياجات الوالدين في هذه السن المتقدمة تقتصر على احتياجات مادية فقط، كالأكل والملبس وزيارتهم من حين إلى آخر، دون أي اعتبارات لاحتياجاتهم النفسية التي تغلب على الوالدين في هذه السن المتقدمة، ما يكون الدافع الرئيسي نحو التفكير في الزواج لإشباع هذا الاحتياج بوجود شريك يؤنس أحد الطرفين في وحدته ويشعره بوجوده وأهميته، ويغمره بالحب والحنان والاهتمام.

عندما يمثل الآباء والأمهات جزءا رئيسيا من حياة أبنائهم ويشعرون بوجودهم وحيويتهم، لا يفكرون أبدا في الزواج

وفي المقابل فإنه عندما يمثل الآباء والأمهات جزءا رئيسيا من حياة أبنائهم الاجتماعية والنفسية ويشعرون بوجودهم وحيويتهم، لا يفكرون أبدا في الزواج، حيث تنتفي لديهم الدوافع نحو ذلك وتكون الأفضلية لأبنائهم والبقاء معهم.

من جانبها تشير استشارية العلاقات الاجتماعية والزوجية، رشا عطية، إلى أن زواج كبار السن في هذا العمر المتقدم غالبا ما يكون الغرض منه إشباع الاحتياج النفسي والحاجة إلى شريك يتواصل معهم عاطفيا، ليخرجوا من وحدتهم المفروضة عليهم بحكم انشغال المحيطين بهم عن تلبية هذه الاحتياجات وعدم اكتراث الأبناء بهم والاعتناء بحياتهم الخاصة.

وأضافت عطية أن الغاية من هذا الزواج تتمثل بالأساس في إشباع حاجة كبار السن الملحة إلى أن يشعروا بذاتهم ووجودهم اللذين فقدوهما نتيجة فقدان شركائهم وإهمال الآخرين لهم، وهو ما يعكس مسؤولية الأبناء المباشرة وكونهم المذنبين الرئيسيين في إقدام آبائهم على الزواج في هذه السن المتقدمة.

وأكدت أن هذا الصنف من الزواج لا يحتوي على أي أغراض أخرى سواء كانت مادية أو جنسية وما شابه ذلك بحسب نظرة المجتمع السلبية إلى هذا الزواج.

كما لفتت إلى أن الكثير من الشباب ينظرون إلى ارتباط كبار السن على أنه ضرب من الخرف والجنون وقد يكون فيه شيء من الفكاهة، وهي نظرة غالبة في المجتمعات العربية، تغذيها دوافع ومعتقدات مجتمعية وموروثات ثقافية، تتمثل في أن الآباء وكبار السن يتمتعون بالوقار والهيبة التي تفرض عليهم التصرف بطريقة معينة بعيدة عن الزواج والحب والذي يعتبره الكثيرون تصرفا يقلل من وقارهم واحترامهم.

وعن نتائج هذا الزواج واحتمالات نجاحه أو فشله، تؤكد عطية، أنه من الصعب الحكم على زواج المسنين مسبقاً سواء بالفشل أو النجاح، فالأمر يخضع لعوامل عدة منها الاجتماعية، كعلاقاتهم بمحيطهم الاجتماعي ونظرة المجتمع إليهم، والعوامل النفسية، كمدى تواصلهم النفسي والعاطفي في ما بينهم وقدراتهم على إشباع احتياجات كل من الطرفين إلى الآخر، إلا أنه بشكل عام فإن زواج المسنين أمر يصعب على المرأة تقبله أكثر من الرجل وهي التي تتحمل الجزء الأكبر من نتائجه وأضراره الاجتماعية.

وقد أثبتت إحصائيات حديثة أنه وبحلول عام 2030 سيحتل لبنان المرتبة الأولى في الوطن العربي من حيث نسبة زواج كبار السن، وتأتي خلفه تونس، بينما سيكون المغرب في المركز الثالث عربيا من حيث زواج المسنين.

21