لماذا يكره الحكم في العالم العربي منظمات المجتمع المدني

سياسيون في الشرق الأوسط يعتقدون أن المؤسسات الغربية لا تتوافق مع المجتمعات الإسلامية.
الأربعاء 2018/06/13
المساعدات الأممية لم تطفئ نار الحرب

لندن - في صيف عام 2011، قامت مجموعة من الضباط المصريين بأول رحلة إلى واشنطن بعد الإطاحة بالرئيس الأسبق حسني مبارك. وأكد الوفد العسكري في الاجتماعات العلنية والمغلقة في العاصمة الأميركية واشنطن آنذاك، بما في ذلك في وزارة الدفاع والمعهد الأميركي للسلام، على أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تولى السلطة التنفيذية بعد خلع مبارك، كان “يُعد البلاد للديمقراطية”.

لكن مهمة بناء الديمقراطية في مصر، على غرار تونس التي أطلقت شرارة أول انتفاضة ضد نظام الحزب الواحد في يناير من العام نفسه، لم تكن سهلة بل شابتها تعقيدات مرحلة الانتقال الديمقراطي الذي تعصف به تحديات داخلية وخارجية.

كانت الأوضاع الداخلية غير مستقرة في دول ما يسمّى بالربيع العربي حيث حاصرت الديمقراطية الناشئة التجاذبات الحزبية والمطالب الشعبية، التي وجدت في اندلاع الثورة الفرصة سانحة لتحقيق طموح بسيط في العمل والكرامة وتنمية عادلة أمام سقف عال من التوقعات.

وفي الجهة الثانية وجدت الدول الإقليمية، التي تحلم بالمزيد من التوسع وتلعب دورا تخريبيا في المنطقة مثل تركيا وإيران، في هذه الثورات سبيلها لبسط نفوذها من خلال دعم التنظيمات الإرهابية والجماعات الإسلامية المتطرفة.

أمام هذا المناخ المعقد، كان بروز المنظمات غير الحكومية التابعة الأمم المتحدة (المجتمع المدني)، التي لعبت دورا بارزا في المرحلة الانتقالية، محل شكوك وتساؤل الحكومات عن حقيقة دورها التي كشفت التطورات أنه ليس محايدا ولا يكتف بالمراقبة بل هو منحاز لجهة دون أخرى، وهو ما يفسر فشل المنظمات الأممية في حفظ الاستقرار وتحقيق التهدئة في المنطقة. وتدفع هذه الأسباب الأنظمة العربية للتعامل بحذر معها.

وتعد المنظمات غير الحكومية جزء مما يطلق عليه العلماء الاجتماعيون “المجتمع المدني”، وفي الوقت الذي لا يوجد فيه تعريف واضح للمجتمع المدني، إلا أن المنظّر الراحل في قضايا التحوّل الديمقراطي ألفريد ستيفن وزميله خوان لينز، قدّما أفضل وصف، حيث عرفاه بأنه “المنطقة من السياسة التي تحاول فيها الجماعات التي تنظم نفسها والأفراد المستقلون نسبيا عن الدولة توضيح قيم وخلق صلات وتضامن، والدفاع عن مصالح”.

ستيفن كوك: القادة العرب يعتقدون أن الغرب يقوم عبر المجتمع المدني بتقويض الهوية
ستيفن كوك: القادة العرب يعتقدون أن الغرب يقوم عبر المجتمع المدني بتقويض الهوية

قد يكون هذا التعريف في ظاهره يحفز حكومات الشرق الأوسط لرفع ضغطها على المنظمات غير الحكومية، فلدى منظمات المجتمع المدني إمكانية مساعدة الناس ذوي الهدف المشترك لأجل تجاوز العقبات الجماعية الكبيرة التي تضعها حكومات المنطقة، وتمنح من خلال هذا صوتا لمظالم الناس.

لكن المشهد ليس مثاليا إلى هذه الدرجة، فوقائع النزاع بالعالم العربي مخالف لأهداف المنظمات الأممية المعلنة عنها منذ تأسيسها، كما أن التقارير الأممية لم تنقل الحقيقة بل تلاعبت بها وفق أجندات سياسية. حتى منظمات الإغاثة باتت في قفص الاتهام.

وأثار عمل البعض من عمال الإغاثة في المنظمات الإنسانية التي تنقذ المهاجرين في البحر المتوسط شكوك السلطات الإيطالية. حيث يشتبه بتعاونهم مع مهربي البشر الذين يطلقون قوارب المهاجرين من موانئ شمال أفريقيا. 

وتعد الأزمة اليمنية خير مثال على قلب المنظمات الدولية للحقائق ونشر معلومات مضللة، ويتجسد بتقرير وصفه المتابعون “بغير دقيق ومضلل” عن التحالف العربي الداعم للشرعية في اليمن. حيث أدرجت الأمم المتحدة التحالف العربي الذي تقوده السعودية في اليمن العام الماضي على لائحة سوداء سنوية للدول والكيانات التي ترتكب جرائم بحق أطفال. فيما أدان التحالف لما احتواه التقرير من معلومات وبيانات غير صحيحة، وتحفظ وبشدة على تلك المعلومات والبيانات، مشيرا إلى أن ورودها من شأنه التأثير على مصداقية تقارير الأمم المتحدة.

أمام هذا التواطؤ الفاضح للأمم المتحدة، فإن عدم عمل الأنظمة العربية على الانفتاح على منظمات حقوق الإنسان، والمنظمات البيئية، والجمعيات الخاصة التي تقدّم المساعدات إلى المحتاجين، أو المنظمات غير الحكومية الأخرى مردّه التوجّس من دور مشبوه يقوّض جهود الاستقرار.

ويلفت الكاتب ستيفت كوك إلى أن “المنظمات غير الحكومية ليست كلها معارضة للدولة”، ففي بداية التسعينات وقفت منظمات مكرّسة لقضايا المرأة مع الجيش الجزائري عندما ألغى انتخابات فاز بها حزب إسلامي (جبهة الإنقاذ الوطني)، بالإضافة إلى أن منظمات المجتمع المدني في مصر كانت جزءا من الغضب الشعبي ضد الرئيس الأسبق محمد مرسي 2013 وجماعة الإخوان.

ويقول كوك “بلا شك، فإن هناك منظمات غير حكومية ساعدت المحتاجين في الشرق الأوسط، لكن المنظمات المكرسة للحكم وحقوق الإنسان لم تترك الأثر المنشود”.

ويبيّن أن “القادة العرب ينظرون للمنظمات غير الحكومية، خاصة التي تحصل على تمويل أجنبي، على أنها تجسيد لمشروع استعماري جديد”، ووصف كوك ذلك “بتناقض واضح للحكومات فهي تحصل على دعم مالي من الغرب”.

ويرى كوك أن قادة الشرق الأوسط متخوفون من المنظمات غير الحكومية ويعتقدون أن الغرب لا يساعد فقط لكي يعيش الناس في مجتمعات عادلة، لكنه يقوم من خلال هذه المنظمات بتقويض الهوية الدينية والإثنية للمنطقة، من خلال تحويلها إلى مجتمعات غربية.

وبالتالي، فإن الكثير من السياسيين في الشرق الأوسط يعتقدون أن المؤسسات الغربية لا تتوافق مع المجتمعات الإسلامية، كما ناقش رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو في رسالته للدكتوراه قبل أن ينضم للهجوم على المنظمات غير الحكومية، وهو لا يزال رئيسا للوزراء”.

وتجعل مشكلة الهوية الموضوع أكثر حدة، فاختراق الأوروبيين للشرق الأوسط في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر أدى إلى عملية طويلة من التخمير الثقافي والاكتشاف بين الشرق أوسطيين، حول كيفية مواجهة هذا الخطر، وكان الإصلاح والقومية العربية والإسلامية، التي أكدت الهوية، من أهم الردود السياسية الأكثر فعالية.

فتأميم قناة السويس، والثورة الجزائرية، التي أنهت 130 عاما من الاستعمار الفرنسي، ألهبا خيال العرب في كل مكان، كما انتشرت شعارات شعبوية، مثل “مصر للمصريين” و”الإسلام ديني والعربية لغتي والجزائر وطني”، إلا أن مسألتي الهوية والسيادة لم تحلا في البلدين وبقية دول المنطقة.

12