لماذا ينجذب الخائفون والضعفاء والمشوّشون إلى السياسات "المتعصبة"؟

ظهور الجماعات الإرهابية عمل على تقليص تمسك المواطنين بالديمقراطيات الغربية، بل واتجهوا إلى تقديم كل أنواع التنازلات، حتى تلك التي تأتي على حساب أفكارهم الليبرالية.
الثلاثاء 2018/05/15
مشهد "ربيعي عربي"

بينما توجه الناخبون إلى صناديق الاقتراع في عدد من الدول العربية، أعرب السياسيون والمنتقدون في جميع أنحاء العالم، وخاصة في الغرب، عن قلقهم من أن المثل الديمقراطية الليبرالية يتم التعدي عليها.

وفي إشارة إلى القوة المتزايدة للحركات القومية والوطنية في أوروبا، والتي انعكست في الانتخابات المجرية والإيطالية الأخيرة، حذر الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، النواب الأوروبيين مؤخرا بقوله “الانجذاب نحو التعصب يتزايد بمرور الوقت”.

وفي الدول الغربية، لا يزال الالتزام بالقيم الديمقراطية قويا للغاية. لطالما كانت هناك منافذ استبدادية وحتى فاشية ظهرت وتلاشت في بعض الأحيان. لكن لا تزال الدروس المستفادة في أوروبا قبيل الحرب العالمية الثانية تدوي صداها، حيث قال 93 في المئة من الألمان إنهم يعارضون فكرة “القائد القوي” في السلطة، حسبما أشار استطلاع رأي أجرته مؤسسة “بيو” في أواخر عام 2017.

ولكن يمكن للقضايا الاقتصادية والأمنية أن يكون تأثيرها المباشر على الأجندة السياسية أكبر من هدف نشر وتوسيع الديمقراطية الليبرالية. فعامل الخوف، سواء كان مرتبطا بانعدام الأمن أو البطالة، هو في الكثير من الأحيان القوة الدافعة وراء ظهور الفكر “المتعصب” في الغرب.

كما أن عوامل أخرى مثل الحذر المستمر من الإرهاب والهجرة غير الشرعية تميل إلى تعزيز وتأييد السياسات الاستبدادية، حتى في الدول التي تتمتع بطابع ديمقراطي متأصل. وبالتالي، ليس من الغريب أن يجد السياسيون المعتنقون للحركات الشعبوية فرصة سانحة في “الخوف” من أجل حشد الشعوب لدعمهم.

وقد أفاد استطلاع رأي حديث أجرته المفوضية الأوروبية بأن معظم سكان دول أوروبا الوسطى الذين شهدوا مؤخرا أقوى الحركات الشعبوية في الانتخابات الأخيرة لديهم خبرة محدودة مع المهاجرين.

أنظمة الحكم الاستبدادي في بعض الأحيان توفر بديلا مستساغا للمواقف الفوضوية التي يمكن لحرية الاختيار السياسي أن تخلقها

ومن المثير للاهتمام أن مستوى “الارتياح” تجاه المهاجرين الأجانب يشهد أعلى معدلاته في الدول الأوروبية التي تتمتع بتجربة مباشرة أكبر مع الهجرة. وغالبا ما يحظى الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بالاهتمام كمثال لشخصية سياسية استبدادية، لكن رسالته الشعبوية أثناء وبعد انتخابه في عام 2016 لم تخرج من فراغ.

فالولايات المتحدة دائما بيئة خصبة لنمو هذا النوع من أنواع الحكم الاستبدادي. وزعمت دراسة حديثة أن ثلاثة من بين كل عشرة أميركيين قالوا إنهم يفضلون شكلا أكثر استبدادية من الحكم في الولايات المتحدة.

وبين مؤيدي اليمين المتطرف في أوروبا، هناك شريحة عريضة من مؤيدي الحكم العسكري، والتي تصل إلى 31 في المئة بين أعضاء حزب الجبهة الوطنية الفرنسي و23 في المئة من حزب استقلال المملكة المتحدة، حسبما ذكرت مؤسسة “بيو”.

فالناخبون المؤيدون للحكم الاستبدادي في الغرب يرون “الرجال الأقوياء” كدروع تحميهم من تهديدات الإسلام المتطرف والهجرة الأجنبية، فضلا عن كونهم حلا نهائيا لتعقيدات الصراعات السياسية المتنامية والفساد المستشري الذي يبدو وكأنه يتحكم في رؤوس أموال الدول. وباستثناء مؤيدي الحكم الاستبدادي، يرى المحللون تزايد خطر الابتعاد عن الفكر الليبرالي الذي يجتاح الغرب في الوضع الراهن.

وقد عمل ظهور الجماعات الإرهابية، على وجه الخصوص، على تقليص تمسك المواطنين بالديمقراطيات الغربية، بل واتجهوا إلى تقديم كل أنواع التنازلات، حتى تلك التي تأتي على حساب أفكارهم الليبرالية.

وفي أعقاب الهجوم الإرهابي الذي وقع في مارس الماضي في مدينة قرقشونة الفرنسية، أظهر استطلاع للرأي أن 61 في المئة من المواطنين الفرنسيين قالوا إنهم يؤيدون اتخاذ تدابير استثنائية جديدة حتى لو كان ذلك يعني “تقييد حرياتهم الخاصة”.

كما وافقت أغلبية المشاركين في الاستطلاع من الفرنسيين على احتجاز جميع المشتبه بهم أمنيا وطرد الرعايا الأجانب من البلاد. أما حوالي 90 في المئة من المشاركين بالاستطلاع قالوا إنهم يؤيدون اقتراح رئيس الوزراء السابق، مانويل فالس، بحظر انتشار الاتجاه السلفي في فرنسا، رغم أن العديد منهم ليس لديهم أدنى فكرة إذا كان من الممكن تنفيذ هذا الاقتراح.

وكنتيجة لذلك، ينظر المواطن الغربي إلى المؤسسة الليبرالية التقليدية على أنها لا تستجيب لاحتياجاته ومخاوفه. والآن، لا يمكن اعتبار الديمقراطية العالمية، وهي نشاط استهلك الكثير من الدبلوماسية العامة الغربية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، أولوية قصوى.

حيث أن احتمال بقاء الرئيس الصيني شي جين بينغ في منصبه مدى الحياة، وكذلك انتخاب فلاديمير بوتين رئيسا لروسيا لفترة أخرى مدتها ست سنوات، لم يعملا على إثارة استياء دول الغرب. فالمصالح الاقتصادية الآن أصبحت أولوية عن توجيه الانتقادات للسياسة الصينية والروسية.

وبسبب الاهتمام الذي توليه دول الغرب الآن لمصالحها الداخلية، أصبحت هذه الدول أقل اهتماما بتصدير قيمها الليبرالية مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقد من الزمن.  وكذلك، فإن دفع الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما، لإدراج الأحزاب الإسلامية في الحكومات المنتخبة ديمقراطيا أصبح أمرا من الماضي. حيث بالنسبة للكثيرين في الولايات المتحدة وأوروبا، يأتي الحفاظ على القيم الغربية في الداخل في المقام الأول.

الحكم الديمقراطي “سيء”
الحكم الديمقراطي "سيء"

وحتى كوادر السياسة الخارجية الذين تم تعيينهم حديثا من قبل الرئيس الأميركي لا ينتمون إلى المحافظين الجدد. فهم من المحافظين السياسيين الأكثر اهتماما بالمواجهات مع أعداء أميركا عن اهتمامهم بإعادة هندسة وتشكيل صورتهم الغربية. ففي النهاية، جون بولتون، لا يشبه كثيرا إليوت أبرامز، ولم يكن أبدا عضوا في فريق “المذهب الديمقراطي” الذي ترأسه الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش.

وهناك سبب لرؤية ابتعاد الغرب عن تعزيز الديمقراطية، والذي يعتبر بمثابة “شيك على بياض” بالنسبة لأنظمة الحكم الاستبدادية في كل مكان. لكن يبقى أن نرى ما إذا كان هذا التحول في الأولويات يمكن أن يعطي الفرصة لدول أخرى تقع خارج منطقة النفوذ الغربي لبناء أنظمة خاصة بها تخضع لتحولاتها الخاصة، أو إذا كانت ذلك سيؤدي إلى ظهور المزيد من الأنظمة الاستبدادية.

وقد وجدت استطلاعات الرأي التي أُجريت أن مؤيدي أنظمة الحكم الاستبدادي أصبحوا أكبر من المتوقع في أي مكان آخر في العالم. فقد وجد استطلاع أجرته مؤسسة “بيو” في أواخر عام 2017 أن 26 في المئة من سكان العالم الذين شملهم الاستطلاع قالوا إنهم يفضلون أن يحكمهم “زعيم قوي”، منهم 48 في المئة من الروس و52 في المئة من الإندونيسيين. وقال واحد من كل أربعة أشخاص أفارقة وآسيويين إنهم يرون قيمة في الحكم العسكري.

وقد ارتبط هذا النوع من الجدل بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما منذ اندلاع ثورات “الربيع العربي” في عام 2011. حيث خلال السنوات السبع الماضية، تحولت اهتمامات العالم العربي إلى الداخل، مع تركيز المواطنين على محاولة العيش وتلبية احتياجاتهم اليومية. وحتى في الدول ذات البيئات السياسية الأكثر تحررا، مثل تونس، فإن الشريحة الكبرى من الشعب التونسي ترى أن حكم “الرؤساء الأقوياء” يعمل بمثابة مخرج من حالة القلق التي يشعر بها الكثيرون في مواجهة الاضطرابات المختلفة.

يبدو أن أنظمة الحكم الاستبدادي في بعض الأحيان توفر بديلا مستساغا للمواقف الفوضوية التي يمكن لحرية الاختيار السياسي وممارسة الديمقراطية أن تخلقاها لا محالة. وقد ثبتت صحة الأمر لا سيما عندما يكون الانتقال الديمقراطي حديث العهد إلى حد ما. فعلى سبيل المثال يتمتع لبنان بأعلى تقدير للديمقراطية، بنسبة 85 في المئة من بين الشعوب العربية التي أُجريت عليها استطلاعات الرأي في مؤسسة “بيو”. يبدو أن اللبنانيين يقدرون المكاسب السلمية للتعايش الديمقراطي بعد أن خاضوا حربا أهلية دامية. وقد أفاد نفس استطلاع الرأي بأن تونس، التي يُنسب إليها كونها أنجح تحول ديمقراطي في العالم العربي، تعتبر أقل دولة تقدّر إدارة الحكومة الديمقراطية.

في الواقع، يرى حوالي 39 في المئة من الشعب التونسي أن الحكم الديمقراطي “سيء”. وقد رأت العديد من استطلاعات الرأي المحلية والدولية الأخرى أن هذا الاعتقاد المتأصل في فكر الشعب التونسي جاء نتيجة التعثر الاقتصادي، وانخفاض مستويات المعيشة. لكن الإيمان بالحرية بين التونسيين يظل أقوى من أي وقت مضى، ومع ذلك، يظهر هناك الحنين إلى الماضي.

يمكن للقضايا الاقتصادية والأمنية أن يكون تأثيرها المباشر على الأجندة السياسية أكبر من هدف نشر وتوسيع الديمقراطية الليبرالية

حيث يشير استطلاع مؤسسة “بيو” إلى أنه في الدول التي لها تاريخ من الحكم العسكري، من المرجح أن تجد  هناك شريحة عريضة من شعوب هذه الدول مازالت تؤيد هذا النوع من أنظمة الحكم.

ففي أوقات التوتر والاضطرابات، يميل الناس إلى العودة والحنين إلى الماضي. وكما تشير البيانات إلى أن هذا الاتجاه يميل إلى أن يكون أكثر انتشارا بين طبقات المجتمع الأقل تعليما والأكثر تعرضا للتحديات الاجتماعية والاقتصادية. وبالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أحد ملاذات حرية التعبير في الوقت الراهن، على أنها تشكل معضلة إضافية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وبقية العالم.

وبحسب ما كتبه غديون روز، محرر الشؤون الخارجية “ستستمر الديمقراطية في التراجع ما لم تعثر الدول الغنية على طرق للحد من عدم المساواة وكذلك على طرق أخرى لإدارة ثورة المعلومات بشكل جيد”.

إن تلاشي التحضر والأخلاق ونشر رسائل التحريض والأخبار المزيفة لا يمكن مقارنتهما أبدا بثقافة تبادل الآراء بشكل بنّاء وكذلك الاحترام المتبادل الذي من المفترض أن يعززه النقاش الحر والديمقراطي.

وكان الأمين العام السابق للأمم المتحدة، كوفي عنان، قد أشار في وقت سابق من هذا العام في مؤتمر ميونيخ للأمن ​​إلى أن “مستخدمي الإنترنت يقسمون أنفسهم الآن إلى أحزاب أيديولوجية صغيرة، مما أدى إلى تزايد التفكير العنصري، وكذلك تقليص فرص إجراء نقاش صحي”.

وفي المنطقة العربية، المنقسمة أصلا على أسس أيديولوجية وطائفية وعرقية، تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي إلى توسيع دائرة الانقسامات داخل المجتمعات. وبالنسبة للشعوب التي اعتادت على معايشة السلطات المركزية والمعلومات الخاضعة للرقابة، فإن مشهد تأييد نظام الحكم الاستبدادي خلال أوقات التحول الديمقراطي يمكن أن يكون مقلقا للغاية.

وفي أوقات الاضطراب والشعور بفقدان السيطرة على المصائر، تأتي أسطورة “الحاكم القوي” كمنقذ، حتى ولو كان حكم “الرجال الأقوياء” تسبب في إحداث الكثير من الفوضى في الماضي. ولكن تسمح الذاكرة الانتقائية بإعادة تفسير الماضي على أنه أكثر استقرارا وأمانا من الوقت الحالي.

وسواء في منطقة الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر حول العالم، فمن المرجح أن تستمر الحرية، بكل ما فيها من أوجه قصور، لتشكل توقا بشريا عالميا، حتى عندما تقدم الديمقراطية، كنظام سياسي، نتائج غير مرضية وتكون عرضة لشكوك هؤلاء ممن يشعرون بالخوف والضعف والتشويش.

12