لماذا ينجذب الناس إلى الشخصية النرجسية

الأحد 2014/08/31

بينما كنت أتصفح عدد شهر يونيو من مجلة Psychology Today تارخ 4 يونيو من هذه السنة 2014 وجدت ملخص ما توصلت إليه بعض الدراسات في مجال الشخصية والعلاقات وتحديداً الشخصية النرجسية، ولماذا يقع الكثير من الناس في فخ الشخصية النرجسية سواء كان امرأة أو رجلا.

وعلى الرغم من أن هذا المصطلح نفسي تحدث عنه فرويد وتم استخدامه كمصطلح علمي في مجال علم النفس إلا أن المصطلح أصبح يُتداول بين عامة الناس لكن مع بعض المبالغات في حالات لا علاقة لها بالشخصية النرجسية، حيث أن النرجسية لها علاقة بتضخم الأنا عند الشخص وبالغرور والتمركز حول الذات إلا أنه ليس كل مغرور نرجسي وليس كل شخص متمركز حول ذاته نرجسي وليس كل شخص يعاني من أنا متضخمة يعتبر نرجسيا. ذلك لأن هناك صفات أخرى قد تبدوا للوهلة الأولى متناقضة ولا يمكن أن تكون ضمن تركيبة الشخصية النرجسية إلا أن تلك الصفات هي ما تفرّق النرجسي عن غيره ممن يمكن أن يُطلق عليه نرجسي الشخصية.

على سبيل المثال لا الحصر الرئيس السابق للعراق صدام حسين كان الكثير من الناس وحتى البعض من المختصين في مجال العلوم الانسانية يُطلق عليه “نرجسي”، لكنه في الحقيقة تبدو عليه علامات داء العظمة “البارانويا” مع قليل من النرجسية وليس نرجسية كاملة، والسبب في ذلك يعود للصفات التي سوف أسردها لاحقا لكن بعد أن نتعرف على المصدر الذي بسببه تم ابتكار هذا المصطلح في علم النفس التحليلي.

النرجسية هي نسبة إلى الأسطورة اليونانية التي ورد فيها أن “نركسوس″ الشاب الذي كان آية في الجمال وقد عشق نفسه لدرجة أنه كان يجلس يوميا أمام النهر ينظر إلى انعكاس وجهه بفخر وزهوّ حتى تغلب عليه المرض النفسي والعقلي، وفي أحد الأيام وبينما هو يستمتع بالنظر إلى وجهه في النهر تقدم ومد يده ليمسك صورته لكنه وقع في النهر وغرق ومات، وظهرت مكانه زهرة أطلق عليها زهرة النرجس. وهناك العديد من الحكايات حول هذه الأسطورة لكن جميعها تصب في الفكرة نفسها. وللعودة إلى ملخص الدراسات الذي نُشر في “سيكولوجي توداي”، والذي جاء كإجابة عن السؤال الأكثر تداولاً في ذهن العديد من الناس من الجنسين بعد الخروج من العلاقة هو: كيف استطاع النرجسي أن يغرقه في سحره وكيف أن الشخص لم يكتشف إشارات التحذير وما الذي جعله ضعيفا أمام شخصية تلاعبت بمشاعره وقتلتها بدم بارد وأحياناً يصل الأمر إلى الخيانة!

أجمعت الدراسات على أن لا شيء يقوله أو يقوم به النرجسي حقيقي أو كما يبدو، كما أن الشخصي النرجسي بارع في التلاعب بالمشاعر خاصة في بداية العلاقة حيث يكون جذابا وممتعا. وربما الهدف غير المباشر من هذه الدراسات هو وضع النتائج التي توصلت إليها لتكون دروساً نتعلمها لنتجنب الشخصية النرجسية وهي:

1 - من الصفات الأكثر وضوحاً على الشخص النرجسي أنه يهتم بمظهره وحضوره بشكل كبير. فالنرجسي لديه الأنا الواثقة بالنفس والمتضخمة وهذا التضخم يتغذى على شعوره القويّ بالاستحقاق، أي أنه يستحق وبجدارة (من وجهة نظره) أن يكون محل إعجاب الكل. لذلك نلاحظ أن الشخصية النرجسية تعمل كل ما في جهدها حتى تحصل على إعجاب من تتعامل معه، لأن الحصول على إعجاب الآخرين هو ما يحتاجه ليُغذي الأنا لديه ويزيد من ثقته والمبالغة بنفسه.

ومن أمثلة الاهتمام بالمظهر عند النرجسي هو التبرج والأناقة اللافتة عند المرأة عن طريق اقتناء كل شيء من ماركات وعلامات تجارية عالمية غالية، أو أن نرى الرجل يقود سيارة لافتة باهظة الثمن يصعب على الآخرين اقتناؤها. إضافة إلى ذلك التصنّع والتمثيل وإجادة المهارات الدبلوماسية في التعامل حتى يستطيع أن يأسرك بسلوكه وتُضاف إلى قائمة المعجبين لديه.

2 - الجرأة والشعور بالاستحقاق يجعل الشخصية النرجسية تظهر أكثر جاذبية وأكثر احتمالاً ليكون شريك حياة (من وجهة نظر الطرف الآخر). فمن خلال الدراسات وجد الباحثون أن النساء ينجذبن للرجل النرجسي أكثر من غيره لجرأته وجاذبيته في التواصل معهن. والحقيقة هنا أن الآخر ليس بذات الأهمية عند النرجسي، المهم هنا أن يؤكد لنفسه أنه محبوب وأنه جذاب أما الآخر فهو وسيلة وتنتهي.

3 - النرجسي شخص ماهر في اللعب على عقول الناس ومشاعرهم. فالدراسات أشارت إلى أن النرجسي يحتاج للعلاقة في حياته لكن لفترة قصيرة ومن غير التزام، وعادة ما تجده يبحث عن علاقة تناسب حاجاته بينما هو مستمر في علاقة أخرى مما يضعه أمام احتمالية خيانة الشريك. وعادة ما يتسبب النرجسي في الإساءة للشريك عاطفياً لأنه يحمل رسائل متناقضة، فهو يريد أن يكون في علاقة ولكن بشروطه، وهذا ما أسمته الدراسات “باللعب” أو المراوغة.

4 - المؤشر الرابع هو العلاقة الحميمية والجنسية في حياة النرجسي وهي أيضا معقدة. بما أن العلاقة الحميمية ترتبط بالالتزام العاطفي بين الشخصين لأنهما يؤثران في بعضهما البعض إلا أن الأمر يختلف عند النرجسي. الشخصية النرجسية تفتقد التعاطف والتواصل وذلك لتجنب الالتزام قدر المستطاع، وفي نفس الوقت يكون النرجسي متمركزا حول ذاته لأنه يرى نفسه الأهم، لذلك العلاقة الجنسية في نظره هي ممارسة قد تأخذ أشكالاً مختلفة كالعنف أو الخيانة لكنها في النهاية تصب في إشباع رغباته الجنسية، وعليه أيضا أن يثبت أنه بارع في الجنس كما أنه بارع في مهارات التواصل الأخرى.

5 - النرجسي لا يُسامح ولا ينسى، وهذا ما يجعل كل علاقاته ركيكة وعرضة للفشل، فهو لا يقدر على إصلاح الأمور عند حدوث المشكلات لأنه يشك في فكرة التسامح وقيمتها، كما أنه يشعر بالمهانة بسرعة فكيف يسامح. لكن إذا شعر بافتضاح أمره أمام الشريك وأن الشريك على وشك أن يتركه فهو يسارع في التودد والتعامل بلطف حتى لا يخسر معجباً وحتى يجد من هو أفضل أو أجمل أو أكثر إعجاباً به، حينها لا يتردد في الانسحاب من العلاقة لأنه هو الأهم فيها.

على الرغم من أن بعض الصفات لدى الشخصية النرجسية قد تبدو جيدة وإيجابية مثل ترك الانطباع الجيد عند الآخرين والدبلوماسية في التعامل معهم والشخصية الساحرة الجذابة إلا أنها ليست حقيقية، بل إنه كثيراً ما يكون النرجسي عرضة للقلق والاكتئاب والهوس والانحراف وغيره من الأمراض النفسية. وفي علم النفس هو اضطراب الشخصية النرجسية، لذلك تجنب الشخصية النرجسية والابتعاد عنها هو أفضل ما يمكن أن يقدمه الشخص لنفسه قبل الدخول في أيّ علاقة معها.


استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5