لماذا ينزعج المبعوث الأممي من تطهير الجيش الليبي للجنوب

سلامة يعلم أن حكومة الظل التي تدار في إحدى ضواحي طرابلس لن تستطيع مواجهة إرادة الليبيين عندما يقررون تحرير بلادهم من براثن الأزمة التي عصفت بهم.
الثلاثاء 2019/01/22
إرادة الليبيين فوق كل اعتبار

ليس من السهل على المرء، وخاصة إذا كان ليبيّا، أن يفهم سر انزعاج المبعوث الأممي غسان سلامة من وصول طلائع الجيش الوطني إلى مناطق الجنوب الغربي لتطهيرها من جماعات الإرهاب والتهريب والميليشيات الخارجة عن القانون والمعارضات المسلحة التشادية والسودانية التي ما انفكت تمارس كل أشكال البطش والعنف ضد السكان المحليين.

عبّرت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن “قلقها البالغ إزاء التقارير الواردة من الجنوب عن تحشيد قوات مسلحة، وفي ظل بيانات وبيانات مضادة مما ينذر بوقوع نزاع وشيك”. ودعا غسان سلامة “جميع الأطراف في الجنوب إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس”. وقال في بيانه “لقد قمت في الأسبوع الماضي بزيارتي الأولى إلى سبها وشعرت أن لدى أهالي الجنوب من مختلف الأطياف السياسية والعرقية نية حقيقية لمعالجة المشاكل التي تفصل بينهم من أجل مستقبل أفضل لمنطقتهم. وهذا بالتحديد ما يحتاج إليه الجنوب، أي معالجة القضايا الملحة وأهمها المسألة الأمنية والإنسانية. ولمست لديهم القناعة بأن الحرب والنزاعات من شأنها أن تفاقم تلك القضايا عوضا عن إيجاد الحلول الناجعة لها”.

لم يكمل سلامة، جميله ويخبرنا عمّا فعلته الأمم المتحدة طيلة ثماني سنوات في مواجهة الاقتتال الأهلي، والصراع القبلي والعرقي، وسيطرة العصابات المسلحة، وانتشار الجماعات الإرهابية، وانتهاك سيادة الدولة الليبية من حدودها الجنوبية، سواء من قبل متمردي دول الجوار الذين وصل بهم الأمر إلى رفع أعلام دولهم على مؤسسات ليبية، أو من المتاجرين بالبشر الذين جعلوا من تلك المنطقة منطلقا للعبور نحو الشمال الليبي ومنه إلى الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط.

كما لم يخبرنا عما فعلته الأمم المتحدة، أو الحكومات المتعاقبة على طرابلس، لسكان الجنوب المحرومين من أبسط الخدمات كالأمن والصحة والسيولة المصرفية والسلع التموينية وغيرها، رغم أن تلك المنطقة من الجغرافيا الليبية كانت على الدوام مصدرا لأهم الثروات كالنفط والغاز والماء الذي يتدفق نحو سكان المناطق الشمالية، إضافة إلى المعادن النفيسة التي تُنهب في وضح النهار.

الأسبوع الماضي، كان سلامة أول مبعوث أممي يزور مدينة سبها المنسية، البعض رأى في ذلك فأل خير، غير أن الموقف الأممي من دخول الجيش الوطني إلى إقليم فزان بات يرجح أن يكون سلامة لم يزر عاصمة الإقليم الجنوبي إلا بعد أن علم من جهة ما، أن المشير حفتر يتجه إلى إعلان مرحلة الحسم لتطهير تلك المناطق من عصابات داعش والقاعدة والمتمردين التشاديين والسودانيين وهو ما بدأ يتحقق فعلا، وأبرز علاماته انتشار القوات المسلحة في سبها، والقضاء على الإرهابي أبوطلحة الذي طالما عجزت المخابرات الغربية والطيران الأميركي على اصطياده في أكثر من مناسبة، كما أن مدنا مثل غات وأوباري أيدت العملية، إضافة إلى الشاطئ والجفرة التي استطاع الجيش أن يعيد إليها الاستقرار كما أعاد إليها أبناءها المختطفين من الدواعش، وصولا إلى قاعدة تمنهنت بعد قاعدة الحراري، وغيرها من المواقع المهمة التي كانت تواجه الإهمال الرسمي، والتآمر الداخلي والخارجي من قبل جهات تعرف قيمتها وأهميتها الاستراتيجية للسيطرة ليس على فزان فقط وإنما على منطقة الساحل والصحراء.

إن سلامة، الذي اعتقد الليبيون أنه قد يكون أقدر على فهم قضيتهم كونه عربيا، لا يختلف عن سابقيه من مبعوثي الأمم المتحدة إلى أرض أحرقتها بقراراتها المتسرعة في العام 2011، فهو يتحرك وفق توازنات مفقودة، ومع ذلك يعتمدها وفق أجندات لا يبدو أنها تهدف إلى مصلحة ليبيا، لذلك لم يكن غريبا أن يلتقي في موقفه من دخول الجيش إلى إقليم فزان عن موقف الصادق الغرياني الذي ندد بدوره بالعملية، من باب الحرص على أوهام إخوانية مدعومة من قطر وتركيا، في حين أن قبائل التبو والطوارق وأغلب القبائل العربية من سكان المنطقة رحبت بالخطوة التي أقرها المشير حفتر.

لقد سمع سلامة خلال لقائه بأعيان فزان، كلاما صادقا عن طبيعة دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن في ليبيا، وعن مهمة بعثة الدعم التي يمثلها، والتي لم تخف في يوم ما أنها متحاملة على الجيش الوطني بينما تبدي تفهما إن لم أقل تعاطفا مع ميليشيات طرابلس ومصراتة، رغم أن الوضع في طرابلس اليوم لا يزال على صفيح ساخن، في حين أن بنغازي مثلا التي حررها الجيش من كتائب الإرهاب، عادت لتنعم بالأمن والاستقرار في كنف مؤسسات الدولة التي ينزعج سلامة من تحركها نحو الجنوب.

وبعيدا عن الغموض، فإن المبعوث الأممي يعبّر بموقفه الأخير عن موقف باريس أكثر من موقف الأمم المتحدة، والموقف الفرنسي معروف بميله إلى أطراف بعينها في فزان، ولديه علاقات مع شخصيات معينة، ولكن تلك الشخصيات لا تختصر المكونات الحقيقية للمنطقة، وحنين فرنسا إلى أربعينات القرن الماضي عندما كانت وصية على فزان لن يفيدها حاليا في استعادة النفوذ خصوصا في ظل الفوضى، كما أن الثروات الطائلة في الجنوب والتي تسيل لعاب القوى الأجنبية، ليس من السهل السيطرة عليها أو التخطيط للانفراد بها، بعد تقسيم البلاد وفصل إقليمه الثري عنها.

إن إقليم فزان بعد تطهيره من قبل القوات المسلحة، يحتاج إلى خدمات على سلطات الشرق أن توفرها ولو من خلال مساعدات الحلفاء الإقليميين والأجانب، لأن استعادة الجنوب يعني الخطوة الأجرأ والأكثر دفعا نحو استعادة الدولة الليبية وإنقاذها من التجاذبات التي تعاني منها والأطماع التي تدفع بأطراف عدة إلى حبك المؤامرات ضدها في السر والعلن.

سلامة يعلم جيدا أن حكومة الظل التي تدار في إحدى ضواحي طرابلس لن تستطيع مواجهة إرادة الليبيين عندما يقررون تحرير بلادهم من براثن الأزمة التي عصفت بهم، واستعادة موقعها فوق الأرض وتحت الشمس.

7