لماذا يهاجر الشعراء إلى الرواية

الشعر أثر في السينما وفي الفن التشكيلي وفي القصة، ومشكلته ليست فيه كفن بقدر ما هي في من يكتبونه.
الاثنين 2019/12/16
حول الشعر تدور كل كتابة (لوحة للفنان نجا المهداوي)

التحول الذي فرضه تطور أشكال الكتابة الجديدة منذ القرن التاسع عشر على نظرية الأجناس الأدبية جعل مفهوم الجنس الأدبي التقليدي وفق الحدود والضوابط التي تمليها هذه النظرية على الجنس الأدبي مجرد ذكرى من الماضي. أهمية هذا التحول أنه أزال الحدود بين هذه الأجناس  من خلال انفتاحها على بعضها البعض، ومن ثم انفتاحها على الفنون البصرية الأخرى كالفن التشكيلي والسينما. لذلك كان على النظرية النقدية بوصفها جزءا من النظرية الأدبية أن تعمل على تغيير معاييرها وعلاقتها بالنص الأدبي لكي تكون قادرة على مواكبة التطور الذي طرأ على أجناس الكتابة الأدبية المختلفة.

في المراحل السابقة، وعلى الرغم من هذا التحول الذي طرأ على أشكال الكتابة، ظل أغلب الكتاب والشعراء يخلصون لفن واحد كالرواية أو القصة أو الشعر طوال سنوات حياتهم، ولم يحاولوا أن ينتقلوا إلى كتابة فن أدبي آخر. لذلك كانت صفة الشاعر التي تطلق على شاعر ما تكفيهم وتعني لهم العمل على تطوير تجربتهم من داخل هذا الحقل الشعري، وهو ما كان ينطبق على الروائي أو المسرحي أو القاص. كتّاب قلائل حاولوا أن يتجهوا لكتابة أكثر من جنس أدبي. هذه الصفة الملازمة لجنس الإبداع عند الكاتب كانت تجعله يخلص لتجربته سواء في الشعر أو في الرواية أو في القصة. لذلك كان هؤلاء الكتاب والشعراء هم من قادوا حركة التطور والتجديد في الأدب العربي من خلال تجاربهم الشعرية أو القصصية أو المسرحية كالسياب والبياتي وصلاح عبدالصبور والفيتوري أو يوسف أدريس وسعدالله ونوس.

لقد وجد هؤلاء المبدعون أنفسهم في الفن الذي اختاروه بقدر ما وجدوا فيه قيمة جمالية يستطيعون من خلالها أن يقيموا علاقتهم الجمالية مع العالم من جهة، وأن يثروا الحياة الأدبية من جهة ثانية. ما قدمه هؤلاء الكتاب والشعراء من تجارب دليل على إخلاصهم للجنس الأدبي الذي أعطوه كل جهدهم واهتمامهم لكي يغنوه ويسهموا في تطوير تجربته. لقد كان الشاعر، أو الروائي، يجد في هذه الصفة التي يحملها ما يكفي للدلالة على القيمة الإبداعية التي يمثلها. لكن ظهور الرواية كمنافس قوي للشعر واستحواذه على سوق المبيعات من الكتب والجوائز الأدبية جعل العديد من الشعراء يهجرونه ويتجهون إلى كتابة الرواية. لقد بدأ أغلب هؤلاء الكتاب حياتهم كشعراء واستغرق زمن التجربة الشعرية من حياتهم أمدا ليس بالقصير حتى تحولوا إلى علامات بارزة في تاريخ الشعرية العربية والسرد والمسرح.

لقد تحولت الملحمة في العصور القديمة إلى الرواية ما يعني أن صعود فن وتراجع آخر مرتبط بالعصر وتحولاته

تراجع حضور الشعر وتقدم الرواية، إلى جانب ما أصبحت تحظى به من تكريم وتسويق نسبي واهتمام إعلامي، شكّلا إغراء حقيقيا لهؤلاء الشعراء وإلا لماذا اكتشف أغلبهم موهبة الكتابة الروائية عندهم في مرحلة متأخرة من حياتهم الأدبية؟ هناك كتاب وكاتبات بدأوا حياتهم الأدبية كروائيين وواصلوا هذه التجربة وما زالوا يحافظون عليها دون أن يظهر عليهم اهتمام بكتابة جنس أدبي آخر. الشعراء وحدهم من تخلوا عن مواصلة مشروعهم الروائي وأسرعوا في الالتحاق بصفوف كتاب الرواية، ثم بدأوا المنافسة على جوائزها الثمينة. لذلك يمكن لأي متابع لأحوال هؤلاء الشعراء أن يدرك السبب الثاني المهم بعد البحث عن الانتشار وراء هذا الانتقال من الشعر إلى الرواية.

ربما يحاول بعض الدارسين لهذه الظاهرة أن يفسرها في ضوء المساحة الواسعة من القول التي تمنحها الرواية للكاتب على عكس الشعر الذي يتميز بالتكثيف العالي في لغته، أو انطلاقا من أن الرواية هي فن العصر ما يعني أن الشعر مضى زمنه أو أصبح في موقعه في الصفوف الخلفية للإبداع. لا أحد ينكر التراجع في قراءة الشعر وانتشاره، ولا أحد ينكر أن هذا التراجع استطاعت الرواية أن تحتل مساحته وتتقدم عليه من حيث حجم القراءة والتوزيع، لكن الشعر لم يفقد قيمته الإبداعية والجمالية وهو ما يمكن أن نلحظه من خلال انشغال الرواية الحديثة بلغة الشعر المجازية وجمالياتها في الكتابة السردية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى القصة القصيرة. إن عمر التجربة الشعرية في الثقافة الإنسانية لا يقارن بعمر الرواية، الأمر الذي يجعل الشعر فنا أصيلا وعميق الجذور في الذائقة الإنسانية والجمالية.

لقد أثر الشعر في السينما كما أثر في الفن التشكيلي وفي القصة، ومشكلته ليست فيه كفن بقدر ما هي متعلقة بمن يستسهلون كتابته وينتحلون لقبه، إضافة إلى التحولات التي طرأت على الذائقة الجمالية بفعل المتغيرات الثقافية والاجتماعية الكثيرة التي فرضتها الحياة الجديدة وفي مقدمتها حياة العزلة وغياب الروابط الاجتماعية والروحية ما جعل الكثيرين يبحثون عنها في الرواية إلى جانب البحث عن الغريب في زمن أصبحت الغرابة صفة لازمة فرضها قانون الاستهلاك. لقد تحولت الملحمة في العصور القديمة إلى الرواية ما يعني أن صعود فن وتراجع آخر مرتبط بالعصر وتحولاته التي تترك أثرها على الذائقة الجمالية للقارئ، أما أن ينتبه شاعر في مرحلة متقدمة من تجربته الأدبية إلى موهبته في الكتابة السردية فهذا لا علاقة له بهذا التحول لأن الرواية موجودة منذ زمن بعيد وهناك أسماء وتجارب روائية معروفة كانت تحتل المشهد الثقافي العربي، وكان يمكن لها أن تترك أثرها في مرحلة أبكر.

15