لماذا يُتهم الإعلام بتأجيج الخلافات العربية

في أعقاب الأزمة، التي تشهدها حاليا العلاقات المصرية السعودية، تعالت أصوات، في كل من القاهرة والرياض، بأن الإعلام في البلدين يتحمل مسؤولية كبيرة في تأجيج نيران الأزمة، وتساءل البعض عن مدى الموضوعية والحياد والحكمة والمهنية، التي يجب أن يتحلّى بها الإعلام العربي عموما، وعمّا إذا كان قد تحوّل من إعلام يسعى لتخفيف حدة المشكلات إلى إعلام يصنع الأزمات.
الثلاثاء 2016/10/18
ومن يتحمل المسؤولية في النهاية

القاهرة – تواجه الكثير من وسائل الإعلام العربية، تهما بأنها “تابعة” للأنظمة الحاكمة بشكل أو بآخر، حتى تلك التي تدّعي أنها مستقلة، نجدها تبادر من تلقاء نفسها إلى الدفاع عن النظام الحاكم في هذه الدولة أو تلك، حال وقوع مشكلة مع دولة أخرى.

أمام هجوم بعض الصحف والفضائيات المصرية على السعودية، خرج الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي للرأي العام، لنزع فتيل الأزمة في مهدها، حيث تحدث في حواره مع رؤساء تحرير الصحف القومية (الأهرام، الأخبار، الجمهورية) قبل أيام، عن “عدم وجود خلاف سياسي أو أزمة مع السعودية، وأن ما يفعله الإعلام، بانتماءاته المختلفة، يضاعف من المشكلة”، مضيفا أن “البعض من وسائل الإعلام كادت تسبب الكثير من الأزمات مع بعض الدول، لولا تدخل الدبلوماسية في الوقت المناسب”.

يقول محللون أن المشكلة في أن الكثير من الأطراف الخارجية، سواء أشخاص أو حكومات، تعتقد أن الهجوم الإعلامي عليها من جانب هؤلاء الإعلاميين، يكون بموافقة الدولة، وكان نموذج السعودية أقرب مثال على ذلك، حيث رأى سعوديون أن النظام المصري أعطى الضوء الأخضر لإعلامه لمهاجمة السعودية، الأمر الذي يبتعد عن المنطق أو الحقيقة.

في المقابل، هناك من يرى أنه كلما كان الإعلام مستقلًا “وغير تابع”، فإنه مهما هاجم الدول وانتقدها بضراوة، فإنه لا يسبب أزمات بين بلاده والدول أخرى، والمثال على ذلك بعض وسائل الإعلام الغربية، التي لم تتوقف عن الهجوم على مصر، منذ ثورة 30 يونيو 2013، مع ذلك لم تتهم القاهرة، أياً من الحكومات الغربية بتحريض الصحف والفضائيات عليها.

يقول مجدي شرف الدين، أستاذ الإعلام الدولي بالمعهد العالي للإعلام بالإسكندرية، إن بعض وسائل الإعلام العربية (المحلية)، تتعامل وكأنها “صوت الأنظمة الحاكمة”، ما يُفهم منه أنها غير محايدة، أو غير مستقلة في الرأي والكلمة.

وأضاف لـ“العرب”، أنه ليس حقيقيا أن النظام المصري يقوم بتوجيه وسائل الإعلام في كل الحالات، بل هي التي تفعل ذلك من تلقاء نفسها، نظرا لأن مالكيها، من رجال الأعمال ومستثمرين، لديهم مصالح مع الحكومة ومؤسسات الدولة، وبالتالي يحاول بعضهم مجاملة النظام، إذا وقعت خلافات في وجهات النظر بينه وبين أنظمة أخرى، على اعتقاد أن هذا سيرضي النظام.

صفوت العالم: العالم العربي في حاجة عاجلة، إلى إعلام موضوعي وجاد وفعال، يدير الأزمات

وأشار إلى أن ذلك التوجه الإعلامي، الخاطئ والخطير، يسبب أزمات، ويضع النظام في موقف حرج، ويصوره في وضعية المتهم بـ“التوجيه”، ما قد يجبره على التراجع عن موقفه، والمبادرة إلى إرضاء الدول التي تعرضت للهجوم الإعلامي.

ومهما حاول النظام إبعاد تهمة التوجيه الإعلامي عنه، أو حتى إظهار الاستياء من تعامل الإعلام مع الأزمة، فإن تلك التهمة تظل تلاحقه طوال الوقت، ما يضعه في أزمات متتالية، لأنه يتعامل مع المشكلة من منظور ضيق.

وعلى جانب آخر، فإن السفارات والهيئات الدبلوماسية بالعواصم المختلفة، في أوقات كثيرة، يتم استنزاف الكثير من طاقاتها، في ترميم ما تدهور من العلاقة بين الدولتين، و”إطفاء الحرائق” التي يشعلها بعض الإعلاميين عبر الفضائيات والصحف، وعندئذ تعود الأمور إلى أوضاعها الحقيقية بين البلدين، بينما يكون الإعلام هو الخاسر، إذ يضطر إلى سحب كلامه، للتجاوب مع الوضع الجديد، ما يضاعف من خسائره المهنية وسمعته بين الإعلام الدولي.

ويرى صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة القاهرة، أن العالم العربي في حاجة عاجلة، إلى إعلام موضوعي وجاد وفعال، يقوم بإدارة الأزمات، وليس الإسهام في صناعتها، سعيا لتحقيق الصالح العام للوطن، وإطفاء نيران الفتنة والفرقة، ومعالجة القضايا والجوانب السلبية، من خلال الاستقصاء المتأني، والحكمة والموضوعية، بعيدا عن الإثارة الوهمية والمصطنعة، التي لن تخدم سوى أعداء الوطن والأمة.

وقال لـ”العرب”، إن وضع الإعلام المصري نفسه في موقف المدافع على طول الخط عن سياسة النظام والحكومة يؤثر على مصداقيته، فضلا عن أن هجوم بعض الإعلاميين على الرموز الدولية والدبلوماسية لدول أخرى، من منطلق إرضاء الرئيس، يضعه في أزمة عميقة لا يدركها هؤلاء الإعلاميين.

وأصبح رأس النظام وحده هو الذي يتحمل تبعات ذلك، للدرجة التي يجد نفسه في مأزق مزدوج، إذ أنه لو صمت، فإن ذلك قد يفسر بالموافقة والرضا على هذا الهجوم، وإذا تحرك لإسكات هؤلاء المهاجمين فإنه قد يتم اتهامه بتكميم الأفواه، والتضييق على الحريات.

واستبعد سياسيون وخبراء تحدثت معهم “العرب” في القاهرة، أن تكون للنظام المصري علاقة مباشرة أو غير مباشرة، بهذه التحركات الإعلامية المناهضة لحكومات أخرى مع كل مشكلة تحدث بينها وبين مصر.

وأكدوا أن النظام المصري يسعى منذ 30 يونيو 2013، إلى ترميم العلاقة مع جميع الدول، لكن تهور بعض الإعلاميين يهدم ما بنته الدبلوماسية المصرية في سنوات.

الواضح أن الإعلام المصري، بشكله الراهن، محل انتقاد شديد من أصوات عديدة في المجتمع، حتى أن البعض من متابعي المشهد الإعلامي، نصحوا النظام بضرورة الابتعاد مسافات عن الإعلام بصورته الراهنة، والكف عن اصطحاب الإعلاميين في الزيارات الخارجية، لأن ذلك يُفهم منه أن النظام “راض عن هؤلاء، وعما يقولونه في حق الآخرين”.

لكن السؤال، هل الإعلام المصري وحده هو الذي يعاني هذه المعضلة، أم أن التحيز وعدم الموضوعية، بل واللجوء إلى ترويج الأكاذيب والشائعات أحيانا، آفات وشوائب عالقة بثياب معظم الإعلاميين والمؤسسات الإعلامية العربية كلها؟

18