لمة الطعام مساحة عائلية مهدورة تحييها أجواء الحجر الصحي ورمضان

اجتماع العائلة حول المائدة يعزّز التماسك بين أفرادها، فيما يزداد الترابط الأسري متانة في شهر رمضان.
الأحد 2020/05/10
ائتلاف وتجانس عائلي

أجمع علماء الاجتماع والمختصون في شؤون الأسرة أنه رغم سلبيات وباء كورونا الذي زرع الرعب والهلع بين الأفراد، إلا أن الحجر الصحي حمل بعض الإيجابيات تمثلت أساسا في عودة اللّمة العائلية، التي غابت عن أغلب الأسر، منذ أمد بعيد. كما أكدوا أن شهر رمضان قد عزز التماسك الأسري بفضل طقوسه المميزة وخاصة منها الالتفاف حول مائدة الطعام.

لندن - استقبل العالم الإسلامي شهر رمضان هذه السنة على غير العادة حيث فرضت أجواء التباعد الاجتماعي غياب بعض العادات التي ميزت الشهر الكريم، لكن الحجر الصحي لم يمنع التفاف أفراد الأسرة الواحدة حول مائدة رمضان بأطباقها المميزة.

ويرى علماء الاجتماع، أن الترابط الأسري يزداد متانة في شهر رمضان، ويعتقدون أن هذا الشهر فرصة لتقوية صلة الرحم رغم ظروف الحجر المنزلي، وأن الأسرة تجتمع غالبا على مائدة الطعام مرتين يوميا عند وجبة الإفطار ووجبة السحور.

وأكد المختصون في العلاقات الأسرية أنه نادرا ما تجتمع الأسرة في باقي الأشهر، فكل من الأبناء والزوج أو الزوجة تنتهي أوقات دوامهم في العمل أو الجامعات في أوقات مختلفة ولا يجتمعون على مائدة الطعام إلا مرة في الأسبوع، أما في رمضان فهم يجتمعون يوميا على مائدة الطعام وتزداد زياراتهم للأقارب قصد تقوية صلة الرحم.

ويبين الدكتور منذر زيتون أستاذ الفقه والدراسات الإسلامية في جامعة العلوم التطبيقية بالأردن أن تواصل الناس وتراحمهم يعدان من أهم مقاصد شهر رمضان، مشيرا إلى أن الناس يبادرون بتبادل دعوات الإفطار بسبب اشتراكهم في الجوع والعطش ووحدة إحساسهم بالحاجة إلى أمسّ الأشياء بالحياة، ما يجعلهم متقاربين بصورة واضحة. كما أشاروا إلى أن اللّمة العائلية عادت بقوة في زمن كورونا وأن شعارات ابقوا في بيوتكم لتجنب العدوى، حققت هدفا إيجابيا تمثل في العودة إلى أحضان الأسرة. وتعتبر التجمعات العائلية والموائد ومآدب الضيافة عادات اجتماعية أساسية في رمضان، وإن قلت هذا العام، إلا أنها لم تضمحلّ وفق ما يؤكده الملاحظون. وقد أثبتت وسائل التواصل الاجتماعي منذ بدء تفشي الوباء فعاليتها في التواصل بين الأقارب والأصدقاء بخاصية مكالمات الفيديو. وقد أكدت شركة مايكروسوفت التي تمتلك تطبيق الـ”سكايب” ذلك حيث أوضحت أن التطبيق شهد أكثر من أربعين مليون مستخدم نشط خلال الفترة الحالية.

ووفقا لبيانات نشرها موقع أميركي متخصص في شؤون التقنية، فإن هناك زيادة بنسبة 70 في المئة منذ بدأت إجراءات التباعد الاجتماعي، في مكالمات الفيديو الجماعية باستخدام “فيسبوك ماسنجر”. كما ازدادت مكالمات الصوت والفيديو على “واتساب” بأكثر من الضعف في الأماكن الأكثر تأثرا بالفايروس. وأكد الموقع أنه يمكن الاعتماد على تلك التقنية في موائد رمضان، حيث يجتمع الأصدقاء والعائلات ويتناولون إفطار رمضان أمام شاشات أجهزة الكمبيوتر، وهو ما قد يخفف من بعض الوحشة.

وتعد وجبة إفطار رمضان أمرا هاما حيث إنها الوجبة التي تعيد تجديد الطاقة وتساعد على استكمال الصيام خلال اليوم الموالي إذ في ساعة الإفطار يتحلق الجميع حول الطاولة أو المائدة التي تحوي أصنافا من أشهى الأكلات وإن لم تكن المائدة متنوعة، فلا يغيب عنها التمر مثلا، إذ ترتبط صنوف من الأغذية وثمار معينة بشهر الصيام.

ويؤكد خبراء التغذية على ضرورة أن تحتوي وجبة الإفطار على مجموعة من الأطباق المفيدة والصحية التي تساعد على إمداد الجسم بالعناصر الغذائية التي يحتاجها، وإن لا يوجد طعام أو مكمل غذائي يمكن أن يمنع الإصابة بفايروس كورونا حتى اليوم، فإن بعض الأطعمة قد تساعد في دعم الجهاز المناعي، وفق ما يؤكدونه.

Thumbnail

ويرى خبراء التغذية أنه بدلا من إعداد الموائد المعتادة في رمضان والمليئة بالسكريات والدهون، يفضل التوجه إلى الأطعمة الصحية التي تعتمد على الفواكه والخضروات الغنية بالمغذيات كالسبانخ والبروكلي والبازلاء، بالإضافة إلى الأطعمة الغنية بالبروتين التي تلعب دورا في تقوية جهاز المناعة، وتساعد على الشفاء والتعافي من الأمراض كالأغذية البحرية واللحوم الخالية من الدهون والدواجن. وينصح خبراء التغذية باستبدال أطباق الحلوى التي يقبل عليها الصائم بعدد من التمرات المفيدة والمغذية، فإلى جانب مذاقها الحلو فإنها تحتوي على عدد كبير من المعادن والفيتامينات الضرورية للجسم، إضافة إلى احتوائها على نسبة عالية من الألياف المفيدة في السيطرة على نسبة السكر في الدم، وسهولة عملية الهضم.

ولا تعتبر مائدة الطعام هي الجامع الوحيد لأفراد الأسرة خلال شهر رمضان، فالطقوس الروحية هي أيضا فرصة للإحساس بالتقارب، حيث يمكن إقامة صلاة التراويح جماعة لجميع أفراد الأسرة بالمنزل، مع استمرار العزل، واستمرار غلق المساجد لأبوابها أمام المصلين.

وتؤكد إباء أبوطه الفلسطينية الدارسة لعلم الاجتماع أنه يمكننا خلق جو المساجد في بيوتنا حين تكون المساجد مغلقة وذلك بأبسط الأشياء.

وتقول أبوطه “إن هندسة المكان هي أساس الهندسة النفسية وجودة العبادة العالية، فحين لا نستطيع الوصول إلى المساجد، يمكننا خلق جو المساجد في بيوتنا، كأن نفرد زاوية في البيت لصلاة الجماعة، أو نزين زاوية أخرى بالأضواء والبطاقات”. وتضيف أبوطه أنها غيّرت مكان طاولة الضيوف التي لم تعد تستعملها حاليا، ونصبت خيمة رمضانية بسيطة لأطفالها، وفي زاوية أخرى وضعت المصابيح والبخور وسجاد الصلاة، وعلقت زينة يدوية لجذب انتباههم. وتؤكد أن ذلك تم من دون إفراط أو كلفة اقتصادية، بل بمواد بسيطة وإعادة تدوير، ما يدرّب الأطفال على الإبداع واستغلال الموارد.

وتؤكد ابوطه، على ضرورة إحياء طقوس العبادات الجماعية أيضا من خلال صلاة الفجر وصلاة التراويح مع أفراد الأسرة، وإقامة حلقات لقراءة القرآن والذكر.

وتبين أبوطه أن العبادات الجماعية نوع من هندسة العلاقات التي يمكن تفعيلها أيضا من خلال صلة الرحم وإعادة التواصل مع علاقات زالت أو انقطعت، والتواصل مع زملاء العمل، وذلك عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي والرسائل النصية أو المرئية.

وتقول “عيشنا في زمن كورونا لا يُلغي تواصلنا مع المجال العام”.

21