لمحته.. وكان يبتسم

السبت 2016/11/05

في منتصف التسعينات من القرن الماضي، كنت أعد تقريراً إخبارياً لإحدى القنوات الفضائية العربية عن تأثير الحصار الاقتصادي الذي كان يجثم فوق صدور الفقراء من العراقيين بسبب الحروب والسياسات العبثية، واخترنا موقع التصوير في إحدى المدارس الابتدائية في مدينة الثورة في بغداد، كنت مريضة وارتجف على الرغم من (كمية) الملابس التي كنت ارتديها، بعد أن تسلل إلى جسدي برد ديسمبر القاسي.

نسيت البرد فجأة، وانشغلت بمحاولة القفز فوق الموانع التي صنعها مطر الأسبوع الماضي؛ حيث امتلأت ساحة المدرسة وزوايا ما تبقى من الحديقة بمياه راكدة جعلها التقادم منبعاً لروائح كريهة لا يمكن تخيلها.

كان اليوم الدراسي مازال في بدايته، وكنت أراقب التلاميذ الصغار وهم يجتازون بوابة المدرسة مسرعين إلى صفوفهم تجنباً لصفعات البرد، لكنه كان وحده يعد خطواته الصغيرة بهدوء ودعة ليجتاز بوابة الدخول وكأنه سائر في نومه، ذلك التلميذ الجميل الوديع لم يكن يرتدي سوى قميص صيفي خفيف وبنطلون باهت اللون، وأظن أن جوربيه كانا مقطعين تحت حذاء بال اختفى نعلاه بسبب الاستخدام الطويل.

كانت هذه من أقسى مشاهد الحصار التي حفرت تفاصيلها عميقاً في ذاكرتي، وحتى بعد مرور أكثر من عقدين من الزمان عليها إلا أن ذكراها مازالت عالقة في روحي، كلما مر عليّ شتاء جديد يذكرني بذاك الطفل البغدادي الذي لم يكترث للبرد أو اضطر لذلك، يوم لمحته أو خيّل إلي أنه كان يبتسم لكاميراتنا.

الآن، أدرك أن باستطاعة المرء أن يبتسم إذا تعذر عليه البكاء، وأظن الطفل الفقير لم يكن يملك غير الابتسام ليحافظ على ملامح وجهه من التجمد في ذلك الشتاء البعيد.

في مدارس عراق اليوم، يظهر التلاميذ الذين تطالعنا صورهم كل يوم في مواقع الإنترنت ووسائل الإعلام، وكأنهم يرتدون ملامح ذاك الطفل صاحب الابتسامة المتجمدة، وهم يشغلون الفراغ داخل صور مشوهة لمدارس فاقدة للأهلية؛ صفوف دراسية مكتظة بالتلاميذ بعضها خال من المقاعد، مبان متداعية تشبه أكواخاً من الطين في جزيرة نائية بناها الناجي الأخير من سفينة هالكة، أما الأثاث المتهالك الذي مازالت تحتفظ به بعض المدارس فهو مجرد ديكور باهت للخراب الذي حلّ بجدرانها ووجوه تلاميذها الشاحبة ونظراتهم المتعبة وملابسهم الرثة، ومع ذلك، مازال هؤلاء الصغار يحاولون فك شفرات الرسائل التعليمية من دون جدوى بينما يتجاهلون ملمس الرطوبة الذي يتسلل إلى أجسادهم في صباحات الشتاء، لكثرة جلوسهم الطويل على الأرض وهم يتابعون دروسهم بما تبقى من قطرات أمل احتفظوا بها في حقائبهم، مع القليل من الخبز الذي يقيهم الجوع في يوم دراسي طويل، لكنه لا يمنع عنهم البرد.

الفصل الأخير في هذه التراجيديا كان صدمة بكل المقاييس، فمجانية التعليم المدرسي الذي يكفله الدستور لم تستطع الصمود أمام الإخفاقات و(الكوارث) الإدارية، التي مازال يرتكبها مسؤولون لا يشعرون بأي مسؤولية، حيث منعت الكتب عن التلاميذ لأسباب مجهولة أهمها طبعاً عجز في الميزانية المخصصة لذلك ولغير ذلك. نعم، رجع العديد من التلاميذ إلى بيوتهم وهم يحملون خيبات الأمل في حقائبهم، وصار يتعين على الآباء والأمهات تأمين تكلفة المعيشة من طعام وشراب ومواصلات وملابس إضافة إلى الكتب، أما الفقراء واليتامى وأبناء الشهداء فلم يعد التعليم في نظرهم إلا ورقة أخيرة سقطت من شجرة أعمارهم اليابسة.

كاتبة عراقية مقيمة في لندن

21