"لمح البصر" طوق النجاة الذي لا يسع غير شخص واحد

يكتب الناقد والكاتب المصري سيد الوكيل بعيدا عن رباط التجنيس، في مراوحة بين أنواع مختلفة وإن كانت متقاربة، وهو ما يشير إلى انحيازه وولائه إلى الكتابة بغض النظر عن مسألة الهوية التجنيسيّة التي يكتب تحت إهابها، وهو ما يعني أن مرحلة التجريب التي تلازم نصوصه هي نِتاج وعي بمرونة النظرية النقدية، وقدرتها على خلق أنواع بديلة قد تكون هجينة بعض الأحيان، وأحيانا أخرى تكون مستقلة. فتنوّعت كتاباته ما بين القصة والرواية والنقد، وأحيانا يمزج بين السيرة والرواية والنقد معا كما فعل في «الحالة دايت».
السبت 2015/11/28
استعان الكاتب بنجيب محفوظ في بداية متاهته السردية وختامها

نصوص كتاب “لمح البصر” للكاتب المصري سيد الوكيل، الصادرة مؤخّرا عن روافد للنشر والتوزيع بالقاهرة، تمثِّل نموذجا حيّا لحالة التجريب والتمرّد على المألوف في الكتابة التي خبرها الكاتب في نصوص سابقة، وفي هذا العمل يمارس الكاتب غوايته في التجريب والتعامل مع نصه كمادّة مرنة طيِّعة قابلة للتشكيل والتغيير حتى داخل النص نفسه، فتتماسّ مع القصة القصيرة في شكلها، ومع الأحلام في رؤاها ودلالاتها، كما أن بنيتها تنهل من بنية اللاوعي ذاتها التي هي مصدر الأحلام. لذا ليس من المبالغة إذا وصفنا هذه النصوص بأنها تنتمي إلى ما بعد الحداثة، حيث التركيز على العوالم الصغيرة التي ينفتح بها على العالم الأكبر، والاتكاء على الإيجاز في تلخيص العالم، والهروب إلى الحلم من فداحة الواقع الراهن، والانفصال عنه بالعودة إلى مواطن الطفولة، وانشغالاتها وبراءتها، وأحلامها البسيطة التي تعادل العالم لحظتها.

سرد الأحلام

لا يأتي إهداء سيد الوكيل نصوصه لنجيب محفوظ خارج سياق المتن، بل هو بمثابة علامة أساسية تهدي إلى تحديد هوية العمل، فالمشترك الذي يجمع بين محفوظ والوكيل ليس فقط الأحلام، التي وصف الكاتب في عتبة الإهداء محفوظ بأنه «سرها العظيم» وإنما أيضا في غواية الكتابة، وتوالد الأحلام والمزج بين الواقع والرؤى، والمراوحة بين الزمان والمكان في ذات اللحظة.

حضور محفوظ يتعدى هذا الحضور الشكلي في الإهداء، واستعارة نمط كتابي تميَّز به محفوظ وختم به مسيرته الإبداعية، وإنما يتعدى هذا ليأتي حضور محفوظ بشخصيته وهو يمارس هواية الكتابة وهالته في مجلسه، كما هو حاضر في النص المعنونة به مجموعة «لمح البصر»، والذي يأتي ترتيبه في آخر النصوص، وكأن السارد يؤكّد على قيمة الكاتب، حيث المبتدأ بمحفوظ وأيضا المنتهى إليه.

يتوسّل سارد «لمح البصر» بتعريف الحلم في التصدير الذي يأتي كحوار بينه وبين سائلة هكذا «ما الحلم؟ قالت له: أن تنظر بداخلك». وهو ما ابتغاه عبر تسعة وثلاثين نصا هي جملة نصوص الكتاب، تميل جميعها إلى القصر، ويسيطر عليها راوٍ غائب يرصد من الخارج، وإن كان الخارج الذي يرصده يتجاوز بنية النص الداخلية إلى عمق الداخل الإنساني، وأحيانا شطحاته الصوفيه وتجلياتها، فيتقاطع داخل الذات في بحثها عن خلاصها وهي تجتاز العقبات التي تأتي في شكل طرق وجسور.

نصوص الكتاب نموذج حي لحالة التجريب والتمرّد على المألوف في الكتابة، التي خبرها الكاتب في نصوص سابقة
وتدلف إلى أبواب وممرات وأنفاق وأعماق، وأحيانا إلى بقعة بيضاء «يدور فيها بلا أمل في الخروج» حتى يتحقّق لها اليقين الظامئة إليه، والتي لم تهادن للوصول إليه، منذ أن بدأت رحلة البحث عنه، كحالة الحيرة التي تنتاب السارد وشعوره بأنَّه على “حافة الموت” حيث يمضي في شوراع «واسعة بلا حدود» وإن كان لا يعرفها، في نص «ساعة العمر»، فما إن خرج من مبنى الإذاعة حتى لاحظ «أن النيل لم يعد موجودا» وافتقد الطريق متعللا بأنهم «لا يضيئون أنوارهم حتى أراهم، فقط يهددونني بالموت»، فيتفاداهم مذعورا إلى أن يفاجأ بهم في نفق الأزهر على هيئة «حشود وهم يهدرون بأصوات يتردّد صداها في كل مكانٍ، وهو في حالة شغف بالطريق، فيدرك أن ثمة طرقا للوصول إلى اليقين (بيت الله)، وهو ما يعني أنه وصل إلى مرحلة الكشف والرؤية دون الحاجة إلى النظارة، فبعد رحلة مجاهدة للوصول يأتي صوت سكرتير الطبيب «ها أنت تعرف الطريق دون نظارة»، ومع التقدم في الشغف يدرك أن العودة من نفس الطريق «لم تعد ممكنة» كما في نصّ «قلق الأربعين» حيث حالة من الجدل بين التوق إلى الشوق ورعشات القلب.

حالة الهروب والنجاة بالبحث عن الطريق التي تسيطر على السارد، تخلق عالما موازيا بين الأماكن التي يتحرك فيها، فتظهر جميعها وعورة المسلك، كالشوارع الضيقة والمزدحمة والضوء الذي لا يكشف الطريق وينيره، فالطرق في النصوص تأتي دائما بلا إضاءة أو بلون قاتم، وأحيانا «خاوية باردة وبلا نوافذ»، وعند العودة من الهواجس تكون الطريق «طويلة أكثر مما كانت وأكثر قتامة».

المكان الذي تدور فيه النصوص غالبا ما يكون على هيئة برزخ ضيق أو ممرّ أو ردهة أو نفق. كما أن الأبواب دائما مغلقة وتحتاج إلى دليلٍ مرشد لعبورها، لكن السّارد يجتازها بمفرده. وكما هو الحال في نص «حافة الموت»، فثمة متربصون يعيقون التقدم، فتارة هم بلا وجوه، الشيء الوحيد البارز منهم هو تهديدهم له بالموت، وتارة أخرى في هيئة حشود «تهدر بأصوات يتردد صداها في كل مكان».

الكاتب يقودنا إلى الطريق في نصوص أشبه بالمتاهة

طوق النجاة

حالة البرزخ بين الماضي والحاضر، الجديد والقديم، الموت والحياة، الطفولة الكهولة، الحب والوداع، هي محور مهم تترواح بينه معظم النصوص ففي نص «حق العودة» يقدم لنا السارد حالة التأرجح على البرزخ بين الماضي بذكرياته، والمستقبل بوحشته، في صورة الانتقال إلى البيت الجديد، ووداع القديم، وبمعنى آخر الانتقال من الحياة بعدما تنقّل في بيوت كثيرة يصفها بأنّها «ليست بيوتنا» إلى المستقر. وبين برزخ الموت والحياة تخلق حياة جديدة، كنوع من الأمل الذي ينشده في رحلة خلاصه.

في نصوص “لمح البصر” غالبا ما يأتي حضور المرأة موازيا للحياة، فَتحرك بداخله «أشواقا وهزائم قديمة» كما جاء وجه المذيعة في نص «بث مباشر»، وأيضا زوجة صديقه الميت في «مراسم الحداد» التي تبادله نظرات «مليئة بالفقد والحب» حتى أنها بدت في حزنها وثوبها أكثر فتنة. وفي نص «قلق الأربعين» شغلته وآنسته ابنته مع أنها كانت سيدة أربعينية ترتدي زي الحداد. في معظم مشاهد المرأة يكون منقذَا لها، فأسماء أنقذها من القاع، والأبلة قادها من الماء الآسن إلى الموقع الآخر، والمذيعة كادت تسقط وهي تستغيث به فيصرخ في النهاية لماذا أنا الوحيد المهتم بإنقاذ المذيعة من الموت؟

حالة التأمل البادية على السارد، جعلته يعيد ترتيب المشاهد في حياتنا، بعد الاخفاقات التي حدثت بعد الثورة، فيقف قطار الثورة في محطته دون أن يتحرك، رغم وقود الشباب الذي يلقيه الشيوخ والكهول لينطلق من محطة البداية، كما في نص حفلة تنكرية، وتصويباتها تخطئ الهدف وترتد إلى الداخل كما في نص «شاشة عرض».

يبحث سيد الوكيل في نصوصه عن ذاته أثناء تفتيشه في دهاليز الطفولة، هاربا من زخم الحياة القصيرة المؤلمة، سالكا في طريق الخلاص، بما يجابهه من مكابدات بفقدان الطريق تارة، والدخول في دهاليز وممرات وأنفاق وجسور ودروب طرق تفضي إلى اللاشيء تارة، وأخرى تفضي إلى متاهة طورا. يدخلنا الكاتب معه في متاهة لذيذة مع رحلة استكشافه يعرّي بها ذاته لينجو، فيصدمنا بمتاهة واقعنا المتعرجة، والتي صار أدلّاؤها هم مَن يمارسون الضلال والمتاهة. لقد خَلصَ إلى كتابته ووصل إلى مفازة الطريق عندما ارتمى في حضرة محفوظ. فماذا عنّا الذين سرنا خلفه، وكان هاديا لكننا لم نهتدِ إلى إرشاداته بأن طوق النجاة لا يسع إلا الذات فقط ، كما صور في نص «تيتانك».

17