"لمسة خطيئة" للمخرج جيا زانغكي كاميرا على مفترق الطرق الصيني

الأحد 2013/12/15
لو لديك مظلمة بُح بها إلى السماء.. إنها غلطة الآلهة

لا يشْبه "لمسة خطيئة" الفيلم الصيني الفائز بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان كان لهذا العام أفلام الفنون القتالية المعتادة في شيء وإن كان ينحني انحناءة التوقير أمام جماليات تلك الفنون. يترع بروح سوداوية لا تجد سبيلاً إلى وصف "حالة الأمة" – تعبير يستدعي الخطبة الروسية الشهيرة – إلا من خلال التشاؤم والإدانة المطلقة. يتكل الفيلم الصيني "لمسة خطيئة" (2013) على أحداث لا تخلو من يأس وانحطاط أخلاقي، أربع قصص تنفضّ في الصين المعاصرة لتجلب إلى الصدارة جرائم عشوائية تتفرق جغرافياً واجتماعياً – وإن انحصرت في الطبقة العاملة – وتنتهي بالموت أو القتل أو الانتحار.

وعدا تقاطع متزامن عابر لسُبُل الأبطال ابتذلته السينما مُر الابتذال لا يَجمع بين الحوادث إلا إحساس بالنقمة على ما يجابهه الصينيون في سعيهم لمجاراة إجراءات رأسمالية بدَّلت أسس النسيج الاجتماعي.

ينتمي مخرج الفيلم وكاتب السيناريو، جيا زانغكي، إلى الجيل السادس من مخرجي السينما في الصين. أعلن ذات مرة أن الحكومة الصينية لا تجهل هذه الوقائع نافياً أن تكون نتيجة سلوكيات فردية، وإنما بالأحرى "عَرَض من أعراض مجتمع مريض" يدفع ثمن تقدمه المتسارع المبهر. وكما يوحي العنوان يستحضر الفيلم واعياً فيلم المخرج الصيني كينج هو "لمسة زن" (1971) الذي سبر عهوداً ماضية عدِم فيها المجتمع الصيني أي قانون أو قاعدة.

ومع ذلك تنتمي بنية "لمسة خطيئة" وحبكته إلى أسلوب تقليدي التناول مقترباً من الرواية الكلاسيكية "حافة المياه" التي تتتبع تاريخ مجرمين تربطهم أواصر الشرف والأخوة في عهد سلالة مينغ. ومثله مثل الرواية يرتكز الفيلم على حوادث حقيقية تتخللها جرعات بسيطة من فكاهة سريالية تتبدى شاذة تماماً عن السياق.

يتنقل سيناريو الفيلم بين مواقع عمل مترامية الأطراف ومناجم ضخمة ومصانع كما المتاهة مستخدماً تقنية المشاهِد المضغوطة زمنياً. يراكم الفيلم بين ثناياه عوامل واقعية وإن يغشى زانغكي الحد الفاصل بين الخيال والواقع مستغلاً التكنولوجيا الرقمية في التصوير ليحقق كثافة الفيلم الوثائقي.

يجتاز طرقاً تتراءى وكأنما تم تعبيدها أمس؛ وشواطئ لا يدري المشاهد إن كانت تحد بحراً أم محيطاً، إنها كل بقعة في الصين؛ ومدن تغمرها لوحات إعلانات تتلألأ بأنوار النيون فوق ناطحات سحاب مشيَّدة محل زرائب البهائم، وعلى مقربة منها يزرع الفلاحون المعدمون الخضراوات على ضفاف النهر. وكما هو خليق بدولة مكتظة بالأرواح، تتزاحم في الفيلم شخصيات تقع فريسة لجريمة وعنف مستوطنين: عامل في منجم يستولي عليه الغضب لِما يحيق به من استغلال اقتصادي، بل وفردية لا مبالية من قِبل زملاء يشهدون الاختلاس مستسلمين لِما يحسبونه "قَدَراً"، فالكل يزُود عن نفسه ليس إلا، وعليه يقرر العامل فرض العدل بقوة بندقيته وعلى وجهه حنق يتوارى معه الفيلم الأميركي "لا بلد للعجائز" (2007) خجلاً؛ رجلٌ آخر يقتل ويسرق ليفي بحاجته إلى المال وحاجة مواطنين يبغون الانتقام؛ عاملة استقبال تكابد سلسلة من الانتهاكات تدفعها إلى طعن رجل حاول اغتصابها؛ وأخيراً شاب يهيم بلا هدف بين مصانع يمتلكها الأجانب ونوادٍ ليلية بالجنوب.

يصور الفيلم هؤلاء الأبطال باعتبارهم فرساناً عصريين ينتقمون من خطايا الدولة.

الفيلم يقدم الصين مجتمعا يتأرجح بين الاشتراكية والرأسمالية

ومع هذه الحبكة تتشابك حبكة أخرى قلّما يطرقها مخرجو الصين: انهيار التقاليد والدين. فإن تبدت لك هذه الأمانة مألوفة في السينما العربية، فهي صادمة في السينما الرسمية الصينية.

وبالرغم من انفتاح اقتصادي يحاول أن يدنو من الدول الرأسمالية الكبرى، لا يجرؤ فنان صيني أن يسأل، ما هو مصير هذا البلد؟ لم يجد الفيلم طريقه إلى دور العرض الصينية بَعْدُ غير أن زانغكي لا يرى نفسه فناناً منشقاً عن السينما في وطنه.

يجاهر أحد أبطال "لمسة خطيئة"، "إنها غلطة الآلهة، لو لديك مظلمة، بُحْ بها إلى السماء."

ولكن الفيلم لا ينتظر العناية الإلهية، فالشاب العامل بأحد المصانع يكتشف أنه لا يملك قوت يومه، كان قد تنقَّل من وظيفة إلى أخرى، وآخرها عامل في بيت دعارة تعمل به حبيبته، وفي النهاية لا يلفي وسيلة للخلاص إلا بالقفز من مبنى العمال المهاجرين. ثمة ضحايا لكل تغيير اقتصادي، جذري أم غير جذري، وباستطاعتنا أن نبصر في هذه اللوحات السينمائية فراغاً روحياً أصاب الطبقة العاملة يؤكد المخرج استتاره خلف ازدهار الصين المادي. عله يشير إلى ما يسميه الصينيون "رينكينج"، أي فقدان الدفء، حاجة يقدِّرها الصينيون بوصفها جزءاً لا يتجرأ من ثقافتهم.

ينتقد الفيلم عدم استباق الحكم الصيني لِما حل بالطبقة العاملة من بلبلة اجتماعية من جراء الرأسمالية.

تشدد تعاليم الكونفوشيوسية على التناغم الاجتماعي وضرورة مراعاة خمس علاقات حيوية كي يزدهر المجتمع: الحاكم بالمحكوم، الأب بالابن، الزوج بالزوجة، الأخ الكبير بالصغير، وأخيراً الصديق بالصديق

فشل النظام الصيني في ترويج قضية الرأسمالية للكادحين من الشعب أو خلق فسحة سياسية تستوعب القفزات الاقتصادية

.

ومثل هذا المجتمع التكافلي الاشتراكي الفكر لا يزال ينحو إلى سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج مما حال دون أن يتأهب – قبل التطبيق الفعلي – لاعتناق عقلية تعلي من القيم الفردية القائمة على التنافس.

لقد فشل النظام الصيني في ترويج قضية الرأسمالية للكادحين من الشعب أو خلق فسحة سياسية تستوعب القفزات الاقتصادية. ولا ريب أن الفيلم يوجه إليها انتقاداً لا هوادة فيه متجاهلاً ما أسفرت عنه من إنقاذ للملايين من الفقر من خلال شركات غربية استثمرت في الصين.

ولكن ما يطرحه الفيلم من نقد اجتماعي سديد حقاً، فالصين ليست رأسمالية بالمعنى الحق للكلمة – لا بالمدلول السياسي أو الاجتماعي – صفة قد نسبغها بحرية على الدول الغربية.

عندما كانت أم العامل تنهكه بطلب النقود وتؤنبه على إفلاسه، استحضرتُ فيلم المخرج المصري "الحب فوق هضبة الهرم" (1986) لعاطف الطيب. لم يختر الطيب أن يُعبر عن جاهل يتعاطى المخدرات، وإنما موظف متعلم ينتمي إلى الطبقة الوسطى، وبطلة موظفة من الطبقة ذاتها، يكافحان من أجل إتمام زواجهما. لو اختلت حياة مواطن يشكل نموذجاً لملايين الموظفين بسبب تطور اقتصادي ما، فلمن نطور اقتصادياً؟ ما معنى نمو رأسمالي ناجح؟ معناه – علاوة على جلب الاستثمارات ورفع يد الدولة عن السوق – إتاحة أدوات سياسية يتنفس من خلالها المجتمع، وكذا نسيج اجتماعي ممثِّل "لحالة عامة" لا ينقطع في إبان الطفرات.

هناك شيء يحرر الدولة عند انتهاجها للرأسمالية الشاملة، لا مسؤولية تقع عليها إلا في فرض الأمن وتهيئة الفرصة للاستثمارات، لتصبح النتيجة مؤسسات وشركات متنافسة ومجتمع يخضع لفلسفة "البقاء للأقوى".

ولأن الصين قد انطلقت كما الشهاب لتقف اقتصادياً على إحدى عتبات الرأسمالية، ولكنها لا تزال قابعة في سلطوية سياسية واحتكار يسيطر – أكثر مما يترك – على آليات السوق مثلما يؤكد الفيلم، فقد وقعت بين فكّين لا ينبغي لهما الاجتماع: دولة تنظم مخارج الإنتاج ومداخله وتفرض سياسة لحركة السوق، وفي الوقت نفسه تترك السوق ذاته ليلتهم الفئات الأضعف من المجتمع. لقد بطش النظام الصيني في العقود الأخيرة بأية معارضة حقيقية واختار عدم انتهاج رأسمالية شاملة على حين فشل في القيام بالدور البطرياركي للدولة من تأمين الغذاء وحماية الأرواح.

وفي هذا المشهد الفوضوي يعلو تمثال ماو تسي تونغ ممثلاً لمنظومة مبادئ تخبو من المشهد ومعبد بوذي ممثلاً لتقاليد انقلبت بالية بينما يجابهنا أبطال "لمسة خطيئة" في حال من الاضطراب والفاقة، فالأموال هي كل ما يتحدثون عنه، ولا يتأتى لهم إحرازها إلا من خلال الفساد أو العنف أو العمالة المهينة.

يفترض الفيلم أن هذا المصير حتمي أمام كل من يتعرض للظروف نفسها محاولاً إسباغ قدر من المنطق عليها: أبطال في أسر تغيير تاريخي يتعرضون للاستغلال ويفقدون إنسانيتهم.

ومع أنه يجرِّم العنف، يبرره مغلفاً الانتقاد في المجمل برؤية سياسية فجة كوسيلة لرسم صورة رمزية – وإن تراءت جلية – للصين المعاصرة.­

12