لمن أشكو كآبتي

لدينا أصدقاء افتراضيون وعالم يشبه الواقع فيه من الفرح القليل ومن الكوابيس الكثير بعضه نمر عليه مرور الكرام وبعضه نتوقف عنده نتأمل.
السبت 2019/08/03
لوحة مفاتيح صماء

مثل تتابع الأحداث في حياتنا الواقعية، هكذا تبدو الأشياء في حياتنا الافتراضية التي صنعها لنا بشر مثلنا بالطريقة ذاتها التي يرمون فيها مزحة في الطريق.. التقطنا المزحة وصرنا نلهو ونمرح بها بدهشة وانفعال كبيرين، ننقلها بين كفي يدينا مثل كرة صوف أو قطعة خبز ساخنة خرجت لتوها من الفرن.

لدينا أصدقاء افتراضيون وعالم يشبه الواقع، فيه من الفرح القليل ومن الكوابيس الكثير.. بعضه نمر عليه مرور الكرام وبعضه نتوقف عنده نتأمل.. نتألم، ثم نعد الساعات والأيام على أصابعنا فتختفي الأشياء بكل تفاصيلها حتى تلك التي تألمنا فيها، فتعود حياتنا اليومية إلى سيرتها الأولى.

مات عبدالستار هذا الأسبوع؛ صديقنا الافتراضي الذي قضى سنواته الخمس الأخيرة وهو يشاركنا تفاصيل حياته اليومية بعدما فقد ولديه في حادث تفجير إرهابي في بغداد قرب محل سكنه.. هكذا ببساطة، تحولت حياته من واقع إلى موت مؤجل.. عاش على مضض يتنفس ويتناول طعامه وينام مثل بقية الناس الذين يصادفهم في الشارع، لكن حياته كانت افتراضية غير حقيقية بعد أن عذبه السؤال الذي كان يمر على لحظاته مثل خيط برق، سريعا وخاطفا “شيء غريب.. مات الاثنان في يوم واحد!”.

كنا نراقب صورته على مدى أشهر وسنوات وهي تذوب، ينحت المرض والألم والهزال معالمها فلا يبقي منها سوى عينين نافرتين فيهما سؤال وشكوى لم ينقطعا منذ ذلك النهار، وكأنه يخاطب نفسه “أولادي ماتوا ومازلت على قيد الحياة، هل يعقل هذا؟”.

 تحولت مجموعة من أصدقائه الافتراضيين إلى واقعيين بعد أن التقوا به أو استقبلهم في منزله.. ومن تبقى منهم اكتفوا، مثلي، بترك كلمات التعزية الرقيقة، كرد فعل إلكتروني على صورة ولديه التي كان يكرر نشرها على صفحته في الفيسبوك.

تعاطفنا معه حتى آخر منشور وصورة، كنا عاجزين عن مواساته لكننا أنصتنا له.. بعضنا شغلته همومه الخاصة عن متابعة تفاصيل حزنه.. بعضنا أصابه الضجر.. لكنه كان يعود بصورة ولديه في كل مرة وكأنه يحمل نصل سكين يخدش بها مشاعرنا الساكنة، ليوقظها من سباتها المؤقت.

عبدالستار كان يشبه كثيرا “الحوذي أيونا”؛ بطل قصة تشيخوف (لمن أشكو كآبتي).

الحوذي الذي كان يشعر بكآبة خانقة بعد أن تلقى خبر وفاة ابنه الوحيد ولم يستطع أن يتقبل رحيله.. فكان دائم البحث عن الناس ليشاركوه حزنه ووحدته التي كانت تتضاعف في كل دقيقة.

كان، كما وصفه تشيخوف، “أبيض تماما كالثلج.. لا يخرج من حلقه شيء سوى الفحيح” وهو يحاول إخبار أحد زبائنه “أنا يا سيدي .. هذا الأسبوع يعني.. ابني مات”. فيجيبه الراكب متذمرا “هيا سر.. بهذه الطريقة لن نصل ولا غدا. عجّل!”.

في الطريق، يلتفت الحوذي للراكب عدة مرات.. “لكن الأخير كان قد أغمض عينيه وبدا أنه غير راغب في الإنصات”.

ثم يحاول أن يتحدث إلى راكب جديد وهو يردد “أصلا أنا.. هذا الأسبوع يعني.. ابني مات”.

فيجيبه الآخر بنفاد صبر “كلنا سنموت.. هيا عجّل!”.

تدور عيناه مجددا بقلق وعذاب بين الجموع في الشارع.. ويقول في نفسه “ألن يجد في هذه الآلاف واحدا يصغي إليه؟” ..  “لو أن صدر أيونا انفجر وسالت منه الوحشة فربما أغرقت الدنيا كلها!”.

يواصل تشيخوف سرد القصة “عما قريب، يمر أسبوع منذ أن مات ابنه.. بينما لم يتمكن حتى الآن من الحديث عن ذلك مع أحد كما يجب.. ضروري أن يتحدث بوضوح.. ينبغي أن يروي كيف مرض ابنه، كيف تعذب، وماذا قال قبل وفاته وكيف مات”.

الفارق البسيط بين حوذي تشيخوف وصديقنا عبدالستار، أن الأول بعد أن فشل في جعل واحد من الآلاف يستمع إلى قصته، توجه إلى حصانه وبدأ يبثه شكواه.. أما عبدالستار فلم يجد غير لوحة مفاتيح صماء.. لوحة مفاتيح فيها الكثير من حروف العلة وعلامة تعجب واحدة!

21