"لمن تقرع الأجراس".. ترنيمة همنغواي الأبدية وسؤاله المعلّق في الفراغ

رواية أفصحت عن هويتها من عنوانها، وجاء ذلك على شكل سؤال فلسفي أراد من خلاله همنغواي أن يقول إن الأجراس لا تطرب إلا نفسها.
السبت 2020/01/11
كاتب يشبه رواياته حد التماهي

يمكن للحرب أن تدمّر كل شيء إلا الحب الذي يتحدى سوداوية المشهد، ويتجاوز الموت نحو الخلود، وهو ما تجسده العلاقة التي جمعت بين بطلي رواية وفيلم لمن تقرع الأجراس، لإرنست همنغواي، وهو عنوان اقتبسه من أحد أشعار الإنجليزي جون دون “إن موت أي رجل يؤلمني لأنني أنتمي إلى البشرية جمعاء. لذا، لا تراسلني أبدا لتسألني لمن تقرع الأجراس؛ إنها تُقرع من أجلك”.

لم يعرف التاريخ الحديث رجلا يشبه رواياته، إلى حد التماهي، أكثر من الأميركي إرنست همنغواي (1899 ـ 1961). يمكن الجزم بأن حياة هذا الكاتب الحائز على جائزة نوبل عام 1954، والذي أهدى له أبوه، صغيرا، بندقية صيد، اصطاد بها نفسه في ما بعد، تصلح لأن تكون أكثر إدهاشا من جميع كتاباته.

هل سار إرنست، على خطى أبيه الذي مات منتحرا، وكذلك فعلت أختاه غير الشقيقتين أورسولا وليستر، ثم حفيدته مارغاوك همنغواي، في إشارة إلى مرض وراثي يصيب البنكرياس بسبب الإدمان على الكحول الذي اقترن بشخصه إلى درجة أن كوكتيلا حمل اسمه في كوبا. أم إنه أخلص، حقا، لعنوان كتاب اقتبس منه روايته الشهيرة “لمن تقرع الأجراس”، يقول فيه مؤلفه جون دون، (1624) “لسنا جزرا مستقلة بذاتها، موت أي كائن ينتقص مني، بالضرورة، فأنا معني بالبشرية، ولذا لا تراسلني أبدا لتسألني لمن تقرع الأجراس؛ إنها تقرع من أجلك”.

الغرفة 512

من أين تبدأ الحكاية؟ من الغرفة 512 بفندق آمبوس موندوس، في هافانا. وقد تحوّل المكان الواقع في ضاحية تطل على البحر، وكتب فيه همنغواي، روايتي “لمن تقرع الأجراس” و”العجوز والبحر”، إلى متحف بعد أشهر من اندلاع الثورة الكوبية التي قادها فيدل كاسترو، من الحانة التي احتوت تمثاله المترنح المنحني عند “البار”، وقدمت اسمه كمشروب مستوحى من قصب السكر، أو من ذلك البحر الكاريبي، الذي أرست فيه سفينة عام 1928 حيث عاش إرنست، آخر ثلاثة عقود من عمره وكتب أهم أعماله.

“ما أجمل أن يستريح المرء بين قارتين وزوجتين وكتابين”، عبارة قالها همنغواي، هامسا بين الأمواج، مع زوجته الأولى بولين بفيفر. لكن الفضل يعود إلى زوجته الثالثة مارتا غيلهورن، التي عثرت على مزرعة “فيهيّا” التي كتب فيها همنغواي كثيرا من أعماله. وكان قد اشتراها بـ18.500 دولار، هي حصته المالية من حقوقه كمؤلف لرواية “لمن تُقرع الأجراس” الصادرة عام 1948.

“لمن تقرع الأجراس” ليست مجرد رواية تحكي عن شاب أميركي (روبرت جوردان) يشارك في الحرب الأهلية الأسبانية في ثلاثينات القرن الماضي، ويعين لتفجير أحد الجسور في إحدى مدن إسبانيا.

وليست بمثابة حوارات ثرثارة، بذيئة ومملة في نظر قرّاء ملولين ومستعجلين. لم تكن الرواية هذيانا مفزعا لرجل سبق له أن خاض الحروب ونجا منها بأعجوبة بل هي وقوف عند فظاعة القتل لأجل القتل، بالطريقة التي توصل بها واهتدى إليها صياد ماهر مثل همنغواي.

رواية لمن تقرع الأجراس لم تكن هذيانا مفزعا لرجل سبق له أن خاض الحروب ونجا منها بأعجوبة، بل هي وقوف عند فظاعة القتل لأجل القتل، بالطريقة التي توصل بها واهتدى إليها صياد ماهر مثل همنغواي
رواية لمن تقرع الأجراس لم تكن هذيانا مفزعا لرجل سبق له أن خاض الحروب ونجا منها بأعجوبة، بل هي وقوف عند فظاعة القتل لأجل القتل، بالطريقة التي توصل بها واهتدى إليها صياد ماهر مثل همنغواي

الجدوى من هذه الرواية التي تقول بـ”لا جدوى الحرب والسلام” هو ما معنى أن تكون قاتلا أو قتيلا؟ ما فائدة أن تضيع وقتا في الكلام، في حين يمكن للسلاح أن يختصر كل تلك الرواية.

الشاب الأميركي المنضوي تحت إحدى الكتائب الشيوعية، روبرت جوردان، يقع اختياره لتفجير جسر في الحرب الأهلية الإسبانية، أي في قراءة رمزية، عبارة عن نسف الطريق أمام أي إمكانية للحوار والتواصل.

يقابل روبرت، أثناء مهمته فتاة تُدعى ماريا، وكانت واحدة من الأعضاء المنتمين إلى عصابات الحرب؛ وقد التقى بها في المخيم الخاص بتلك الميليشيات، وعلم أنها مواطنة أسبانية، حوّلت الحرب حياتها إلى جحيم.

تشتعل الأحاسيس وتتقد فجأة، أمام صراعات لقيم إنسانية كانت كامنة في النفوس، فأين مهمته من أداء الوظيفة أمام واجبه الإنساني ومشاعره العاطفية التي استيقظت فجأة كأسئلة حارقة.

ما هذه الحرب التي حولت الجميع ضد الجميع؟ ما الغاية منها، من الخاسر ومن الرابح؟ كيف لك أن تخوض حربا لمجرد أنه قيل لك “خض حربا؟”، ما معنى الواجب في أبعاده الأخلاقية والاجتماعية والوجودية؟

يا لبلاهة الإنسان حين لا يستمع للأجراس التي تدق في داخله، وتدعوه لتمجيد نفسه كما قال الفيلسوف المصلح مارتن لوثر كنغ.

إرنست همنغواي، الذي غامر إلى حد طلب الموت، ولم يدركه الموت ولم يرض به الموت قربانا سهلا وفي المتناول، ذهب بالأسئلة نحو أقصاها، فأمسك بالموت من قرنيه مثل ثور إسباني هائج.. لكن هذا الموت تحاشاه، وكأنه أراد أن يردد مقولة “اطلبوا الموت، توهب لكم الحياة”.

لمن تقرع الأجراس حقا، لطالبي الموت أو الحياة، أم لقارعيها والمنصتين إليها والملبين لندائها.. لا شيء يُقرع لدى همنغواي غير الأفكار.. وللأفكار طنين لا نسمع صداه إلا في الروايات.

“لمن تقرع الأجراس” رواية قالت كلمتها بحذر وتوجس، ذلك أنها أفصحت عن هويتها من عنوانها، وجاء ذلك على شكل سؤال فلسفي، أراد من خلاله همنغواي، أن يقول إن الأجراس لا تطرب إلا نفسها، ولا تقرع إلا لنفسها كما هو الحال بالنسبة إلى كازيمودو؛ أحدب نوتردام، عاشق إزميرالدا التي يقرع لها الأجراس من أعلى الكاتدرائية، وهو أصمّ في رائعة فيكتور هيغو.

كل ما يتعلق بهمنغواي، وحياته كان حاضرا في “لمن تقرع الأجراس”، من شهوة الانتحار التي قصفت عمر صاحبها، إلى الحب الذي لا تعقبه إلا الخيبات والتوديعات كما جاء في آخر الرواية، وصولا إلى أن “الحياة خطيرة على صاحبها”.

الرواية -رغم وجعها الشديد- انتصار للحب، وإدانة للفاشية بجميع أشكالها، ذلك أن بطلها روبرت، يقول لحبيبته ماريا، في تلك الحرب الآثمة، والأجواء المعفرة بالرصاص “أحبك، وحبي لك، يبلغ حبي لكل ما نحارب من أجله، أحبك مثل حبي للحرية والكرامة، وحق جميع الناس في العمل والأمان من الجوع، إني أحبك كما أحب مدريد التي دافعنا عنها، وكما أحببت جميع الرفاق الذين قضوا نحبهم دفاعا عنها”.

صدق مطلق

الرواية التي تدور أحداثها في أقل من أربعة أيام، حول شاب مكلف بتفجير جسر، ويدرّس اللغة الإسبانية في مدريد، تريد القول إن اللغة جسر، على كل حال، لكنه لا يُنسف أو ينقطع على كل حال. وتاريخ إسبانيا ليس “تاريخ إسبانيا وحدها”. إن همنغواي، لا يمزح ولا يتغابي، بدليل ما كتبه الناقد جمعة بوكليب “أراد همنغواي، من ذلك، لفت اهتمام الناس في كل العالم إلى أهمية الحرب الأهلية الإسبانية، وأنها ليست شأنا إسبانيا فقط، بل تهم كل العالم”.

ليس سهلا، ولا اعتباطيا، أن يلتقط همنغواي، عنوان روايته “لمن تقرع الأجراس” من ديوان شعر كتبه شاعر اسمه جون دون، في القرن السابع عشر، وكان على شكل صلوات تأملية شخصية يرددها المرء في أمور دنيوية حول الصحة وغيرها، واختار مقطعا وضعه في مقدمة الرواية، يتحدث فيه عن أجراس الجنازات، وهي دقات أجراس كنائسية، متعارف عليها، تُقرع للإعلان عن موت شخص.

ليس سهلا أن يبدأ الكاتب روايته بسؤال “لمن تقرع الأجراس؟”.. إنه غاية في الإرباك والإحراج، وخطر على اطمئنان القارئ للرواية والمشاهد للفيلم السينمائي، ذلك أن صاحب “العجوز والبحر”، ضعيف النظر، صياد محترف، وقد استطاع أن يقنع الجيش الأميركي بقيادة سيارة إسعاف.

كل شيء كان مربكا وغريبا في حياة هذا الرجل الذي قنص نفسه ببندقية صيد، وكانت والدته التي حُرمت من البنات تلبسه ملابس طفلة.

وقد قال عنه الكاتب الروسي ميخائيل بيلّر، “لم يعلّمنا همنغواي كيف نفوز، بقدر ما علّمنا تقبّل الهزيمة بشكل جميل”. وأضاف الفيلسوف المنتمي إلى الشق السوفييتي، آنذاك، في معرض حديثه عن الأديب الأميركي، “صدق مطلق، بساطة لا حدود لها، ورجولة لا تلين تلك هي الصفات الرئيسية الثلاث التي شكّلت فنّ وأدب همنغواي، والتي رأيناها في الترجمة الرائعة إلى الروسية التي قامت بها مدرسة كاشكين”.

وكتب عنه ابن جيله، دينيس دراغونسكي، “همنغواي كاتب رائع، واصل تقاليد تشيخوف الغالية جدا على قلب القارئ السوفييتي، فقصصه قليلة الكلمات، وحواراته قصيرة وغنيّة بمعان مخفيّة تحت النصّ، وجميعها تتصف بتعاطفٍ مرير، بلا دموع، مع أبطالها”.

ولا يخفي كتّاب عصره إعجابهم بهذا الرجل الخارق، حتى في قول غريمه السوفييتي رومان سيتشنين، في نطاق تطرقه إلى رواية “العجوز والبحر” منوها ومفتونا “لو كان قد تمكّن من الوصول بالسمكة إلى الشاطئ، لكان ذلك بمثابة تحقّق الحلم الأميركي. غير أنّ الصياد العجوز لم يتمكّن أن يوصل إلى الشاطئ إلّا هيكل السمكة فقط”.

اقرأ أيضاً: "بابا همنغواي" في السينما

16