لمن تكتب أيها الشاعر

الخميس 2015/06/04

في بدايات السبعينات نشبت معركة بين أدونيس ونزار قباني على خلفية حوار مع الأخير نشر في مجلة مواقف التي كان يشرف عليها أدونيس، فردّ أدونيس بمقالة عنيفة، واجهها نزار بمقالة أعنف، واشتعلت الحرب بينهما وكادت تصل إلى المحاكم، لولا تدخل بعض الأصدقاء.

هل كانت هذه المعركة معركة شعرية أم شخصية؟ مما لا شك فيه أنها كانت شعرية وشخصية في آن معا.

لعل هذه الحادثة تلخص فعلا وجها من أوجه معارك الشعر، بين شاعرين لكل منهما عالمه الخاص ومشروعه الشعري، نزار الحريص دائما على أن يكون شعره قريبا من الناس، واضحا سلسا، “خبزا ساخنا” كما يصفه، وبين أدونيس الذي أخذَ على عاتقه مهمة التجديد وفتحَ أفق آخر، والتنظير والتأسيس لما عرف لا حقا باسم الحداثة، لكن ألم يكن نزار أيضا من المجدّدين الأوائل في القرن العشرين؟ ألم يكن حديثا؟

تلك المعركة التي مضى عليها أكثر من أربعين عاما، مازالت دائرة حتى الآن بشكل أو بآخر، بين شعراء كثر لا ندري هل كان فيها الشعر هو الرابح الوحيد أم الخاسر الأوحد. هل يمكن وصفها معركة الغموض والوضوح، أو الذاتي والموضوعي، أو اليمين واليسار، أو الأبدي والراهن، إلخ… من الصفات، لكن ذلك لا يلغي أن ثمة معركة مازالت قائمة ومفتوحة يخوضها شعراء كثر، قضيتها الأساسية القصيدة أو الشعر الذي لا يجرؤ أحد على تعريفه، أو يتحاشى فعل ذلك الجميع على الرغم من تربع قصيدة النثر على عرش الشعر العربي المعاصر.

وصل الخلاف بينهما إلى أن وصف أدونيس نزار مرة بـ”الأزعر” على خلفية الاهتمام الكبير الذي أولاه نزار لشعر الحب والمرأة ووصف الجسد الأنثوي، في حين أن نزار كان يردد عبارات من قبيل “يكتب لنفسه”، “هو نفسه لا يعرف ماذا يكتب”، وإلى غير ذلك من العبارات.

هل كان أدونيس آنذاك مغتاظا من شهرة نزار ومن شعبيته الكاسحة، شاعر الهواء الطلق، على عكس أدونيس الذي كان قد وصفه نزار بشاعر القاعات المغلقة، هل كانت المسألة تتعلق بما يسمى “الجمهور”، تلك العبارة التي يرفضها أدونيس، ويعتبرها مؤشرا إلى لا شعرية الشاعر، ودلالة قوية على تنازل الشاعر للعام على حساب الخاص طلبا للرواج والشهرة.

و لكن في منحى آخر هل كان طغيان “شعر الوضوح” -إذا جاز التعبير- وانتشاره الكثيف هو ما دفع أدونيس للتفكير في اختيار خط مغاير طلبا للخصوصية والتمايز، لعله ذلك -ولعل في نظرتنا بعض من التبسيطية-. فلا شك أن كل شعر لا ينفصل عن شخصية كاتبه وظروفه وحياته ورؤيته للوجود والعالم وخلفيته الثقافية والنفسية وتاريخه الخاص. لا شك أن من الساذجة والاختزال تقسيم الشعر الى “واضح” و”غامض” أو سهل وصعب، هذا التقسيم الذي على غرار تقسيم الإنسان إلى “عقل” و”قلب”، تقسيم يحوّل الإنسان نفسه إلى آلة في النظر والعمل والممارسة.

نزار قباني مدرسة شعرية بقاعاتها الممتلئة حتى الآن بالتلاميذ والمريدين، شعراء، و قرّاء. وأدونيس بدوره كان يعتبر حتى الربع الأخير من القرن العشرين من أكثر الشعراء والمثقفين تأثيرا وفاعلية وحضورا في اوساط ما يسمى بالنخبة.

لعل أكثر من استفاد من كلا الشاعرين هو محمود درويش، فقد أحدث خلطته الشعرية السحرية، ولعله حقق تطلع أدونيس إلى العمق والحس الملحمي ونكهة الأبدية، وما أحدثه نزار في لغته الشعرية من السلاسة واللغة الطازجة الدافئة وحميمية النبض اليومي.

تتحدث هدباء قباني ابنة نزار عن جوانب لقاءات الشاعرين نزار قباني وأدونيس: كانت علاقة قوية مع احترام متبادل للاختلافات الفكرية، والدي الذي كان يهمه أن يفهم الناس شعره، وأدونيس الذي لا أفهم إذا كان هدفه الناس أم النخبة. وتقول: كانا دائما يتحدثان عن الشعر والسياسة، وذات مرة قال له والدي “يا أدونيس أجهد نفسي حتى أفهمك أنت بشرفك هل تفهم حالك.. لمن تكتب يا أدونيس؟!”، ثم يضحكان.

شاعر وكاتب من سوريا

14