لمن سيكون قصب السبق الرئاسي في ليبيا

الشعارات المرفوعة حول الحرية والديمقراطية والدولة المدنية والتنمية الاقتصادية والنهضة الاجتماعية ليست سوى غطاء للحرب الحقيقية الدائرة حول إيرادات النفط والغاز والصفقات والعمولات ومصالح الحيتان والقطط السمان وناهبي المال العام.
الاثنين 2021/11/22
صراع على النفوذ

دفعت مدينة مصراتة بعدد من أبنائها للمنافسة على كرسي الرئاسة لعل من أبرزهم فتحي باشاغا وزير الداخلية السابق، وأحمد معيتيق نائب رئيس المجلس الرئاسي السابق، وخليفة الغويل رئيس ما كانت تسمى بحكومة الإنقاذ في طرابلس من الحادي والثلاثين من مارس 2015 إلى الأول من أبريل 2016، إلى جانب رئيس حكومة تصريف الأعمال عبدالحميد الدبيبة الساعي لتغيير قواعد اللعبة وتجاوز المادة 12 من قانون انتخاب الرئيس الصادر عن مجلس النواب، وذلك عبر التأثير العملي المباشر كما حدث في ملتقى الحوار السياسي بتونس ثم جنيف، وهناك محاولات جرت ولا تزال متواصلة لإقناع مجلس النواب بعقد جلسة طارئة لتعديل المادة، ومن الطبيعي أن تكون الجلسة برئاسة فوزي النويري الداعم بقوة للاقتراح وفي غياب عقيلة صالح الذي دخل منذ سبتمبر الماضي في حالة عدم مباشرة لرئاسة البرلمان من باب تنفيذ الشرط الذي ينص على أن يكون المترشح للرئاسيات قد تخلى عن مسؤوليته الحكومية سواء مدنية أو عسكرية قبل ثلاثة أشهر من موعد الاقتراع.

هناك الكثير من المصالح والحسابات والهدايا المجزية للسائرين في هذا الاتجاه فسح المجال للدبيبة للترشح، ولكن المجتمع دائم الاطلاع، ولديه معطيات كاملة عما يدور من تحت الطاولة، كما لديه نتائج التحقيق الدولي الذي أجراه خبراء حول شبهات الفساد المالي والرشى المدفوعة خلال ملتقى الحوار السياسي بتونس قبل عام من الآن، وهناك كذلك تقارير عما كان يدور خلال جلسات الملتقى بجنيف. لقد لعب المال السياسي دورا مؤثرا في مجريات الأحداث خلال الفترة الماضية.

لا يمكن فصل الصراع في ليبيا وحولها قبل 2011 وبعده عن الأطماع في الثروة، ولكن ما جرى خلال السنوات الأخيرة أكد أن كل الشعارات المرفوعة حول الحرية والديمقراطية والدولة المدنية والتنمية الاقتصادية والنهضة الاجتماعية وغيرها، ليست سوى غطاء للحرب الحقيقية الدائرة حول إيرادات النفط والغاز والصفقات والعمولات والاعتمادات ومصالح الحيتان الكبيرة والقطط السمان وناهبي المال العام في تحالفهم المعلن مع أمراء الحرب وممثلي المصالح الدولية المتداخلة.

وفي شرق البلاد، برز بالأساس كل من قائد الجيش المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح، كمترشحين أساسيين للانتخابات الرئاسية بعد أن كانا تخليا عن منصبيهما منذ سبتمبر الماضي، انسجاما مع ما ورد في المادة 12 من قانون الانتخابات، غير أن السؤال يبقى: هل أن صالح اختار بالفعل أن ينافس حفتر على أصوات ناخبي برقة، ولاسيما من أبناء القبائل، وهو ما سيؤدي إلى تشتيت الأصوات؟ أم أن الأمر يتعلق بخطة للتعامل مع أي طارئ في ما يتصل بالطعون التي قد تستهدف المشير؟ مع ذلك، كل المؤشرات تؤكد أن حظ حفتر في شرق ليبيا يبدو أهم من أي منافس آخر، لكن المنافس المباشر له سيكون سيف الإسلام القذافي الذي يحظى بدعم نسبة مهمة من أبناء قبيلة البراعصة بالبيضاء التي تنحدر منها والدته.

وكان ابن القذافي قد تقدم بملف ترشحه في مدينة سبها بالجنوب حيث ظهر لأول مرة للعموم، وهو ما اعتبره البعض دليل توافقات دولية تتصل بهذه الخطوة، وخاصة من فرنسا وروسيا وألمانيا، وكذبت بريطانيا أن تكون ضد هذا الترشح، كما أعلنت الولايات المتحدة أنها تحترم خيارات الشعب الليبي. وبقطع النظر عن المواقف المؤيدة أو الرافضة، وبعد عشر سنوات من الاختفاء المتراوح بين القسري والطوعي، يصعب الحديث عن إمكانية إقصاء سيف الإسلام، نظرا لما أفرزته استبيانات وقفت وراءها جهات غربية وتبين من خلالها أن النظام السابق لا تزال له قاعدة شعبية.

Thumbnail

وهناك احتمال أن يستفيد ابن القذافي من تشتت أصوات مناوئيه نتيجة كثرة المتنافسين على منصب الرئيس، ولاسيما أنه سيكون أبرز ممثل للنظام السابق، رغم تعدد المحسوبين عليه، ومنهم الدكتور محمد أحمد الشريف في طرابلس، والبشير صالح الذي تقدم هو الآخر بملفه من سبها، والأكاديمي ووزير النفط الأسبق فتحي بن شتوان، وحتى عبدالحميد الدبيبة ذاته، فرئيس حكومة تصريف الأعمال لم يكن معارضا للنظام السابق، ولا مساهما في حرب الإطاحة به، وإنما كان من المستفيدين منه بشكل بارز، وعندما تولى السلطة فإنما تولاها من منطلق يتجاوز مفاهيم الثورة والثورة المضادة، والصراع بين فبراير وسبتمبر، ليصب في اتجاه مفردات أخرى تتعلق بالانتماء إلى مصراتة والاستثمار في تركيا والعلاقة بمراكز نفوذ المال والأعمال واعتمادات مصرف ليبيا المركزي.

وربما قد يكون من المثير أن يكون أبرز متنافسين في الرئاسيات هما المحكوم عليهما بالإعدام سابقا: خليفة حفتر وصدر الحكم فيه في العام 1993 في عهد القذافي، وسيف الإسلام الذي صدر فيه الحكم في 2015، وقد تم إلغاء الحكمين، الأول من خلال العفو العام المصاحب للإطاحة بالنظام في 2011، والثاني من خلال العفو العام الصادر عن البرلمان في 2016 ثم من خلال قرار المحكمة العليا نقض الحكم وإعادة ملف القضية إلى التحقيق من جديد.

كما أن المثير، وجود مترشحين آخرين كانا من معارضي النظام السابقين، ثم دارا في فلك السلطة بعد 2011، ووصلا إلى مناصب عليا، ولكنهما تعرضا إلى الاختطاف من قبل الميليشيات في مشاهد دراماتيكية كشفت عن الوضع الذي ساد طرابلس وعموما الغرب الليبي خلال السنوات الماضية، وهذا الرجلان هما علي زيدان الذي وصل إلى منصب رئيس حكومة، ونوري بوسهمين الذي كان بمثابة حاكم للبلاد عند توليه رئاسة المؤتمر الوطني العام، واليوم يطمح زيدان إلى كسب أصوات أهالي منطقة الجفرة التي يتحدر منها، وبوسهمين إلى كسب أصوات الأمازيغ الذين ينتمي إليهم.

هناك كذلك رجال الأعمال الذين برزوا في الصورة كمترشحين سواء كممثلين لحركات سياسية وأحزاب أو كمستقلين، ومنهم عارف النايض مؤسس حركة إحياء ليبيا، وحسن طاطاناكي رئيس التجمع الليبي الديمقراطي، وإسماعيل الشتيوي الرئيس الأسبق لنادي أهلي طرابلس، وهؤلاء يتكئون على رؤى مالية واقتصادية واضحة وعلى فهم لطبيعة الصراع الحقيقي الدائر حول الثروة بمختلف أبعادها، وهناك المسؤولون والوزراء السابقون، وهناك الأكاديميون، ولكن المؤكد أن أطراف المواجهة الحقيقية تعد على أصابع اليد الواحدة، كما أن تعدد الأسماء سيؤدي إلى جولة ثانية للرئاسيات تقول مفوضية الانتخابات إنها قد تدور بعد 52 يوما من الجولة الأولى المقررة للرابع والعشرين من ديسمبر.

9