لمَ العدائية تجاه الصحافة

الثلاثاء 2014/11/04

مع أن بعض الصحف تبدو أمام محتواها “عالية الجبين” ولا يطالها الخجل! وفق وصف الإعلامي الأميركي جيف جون روبرتس لصحف التابلويد التي لا تخفض نظرها، كخجل صحفي معادل حسي للمهنية والموضوعية، إلا أن ثمة ما يستحق القبول في مناشدة بول داكر رئيس تحرير صحيفة ديلي ميل البريطانية من أجل وقف العدائية تجاه الصحافة، واصفا تلك العدائية بأنها تهدد مستقبل صناعة واسعة النطاق.

داكر ناشد هذا الأسبوع الصحافة بكل مستوياتها التوحد إزاء تلك التهديدات مثل القانون المتعلق بـ”الحق في النسيان” الذي اتخذته محكمة العدل الأوروبية في لكسمبورغ مؤخرا واعتبرت فيه أن من حق الأفراد أن يحذفوا من نتائج يوفرها محرك البحث غوغل روابط إلى صفحات تضم معلومات شخصية قديمة أو غير صحيحة عبر الإنترنت.

هذا الأمر دفع الصحفيين إلى اعتبار القرار بأنه يخلف “ثغرات في الذاكرة” ويدرج في إطار الرقابة.

كما عاد داكر إلى لجنة ليفيسون واعتبر أن الشرطة والسياسيين يسعون إلى جعل الصحافة مشبوهة في نظر الجمهور.

وبعد أشهر من التحقيق وصف القاضي اللورد ليفيسون العلاقة بين السياسيين البريطانيين والصحافة على مدى العقدين الماضيين بأنها “كانت مدمّرة لأنها (الصحافة) لم تنظّم نفسها بشكل صحيح”.

الأمر الذي دفع باللجنة التي ترأسها بعد فضيحة التنصت التي قام بها محررون في صحيفة “نيوز اوف ذا ورلد” على مشاهير وضحايا حرب العراق وأفغانستان، إلى إصدار “ميثاق شرف” يربط وسائل الإعلام أقرته ملكة بريطانيا لاحقا.

وفي كل الأحوال يبدو قلق رئيس تحرير صحيفة ديلي ميل مشروعا في مناشدته السياسيين والشرطة “إسقاط العدائية” بالنسبة إليه على الأقل، لأن الصحافة الحرة كانت أحد العوامل التي تقف وراء المستوى المتدني نسبيا من الفساد في المملكة المتحدة.

فهو يرى أن مقررات لجنة ليفيسون، ثم الشرطة والسياسيين “جعلتنا مشبوهين!”، لذلك يبدو من الأهمية بمكان استعادة الاحترام المتبادل مع الصحافة لأنه يمنع إصابة الديمقراطية بالمرض.

ويعتقد بول داكر مثل غيره من الصحفيين، أن أثمن ما تملكه الصحافة حريتها، وبمجرد منح الحكومات الحق في التدخل في المحتوى التحريري، سيسلبها هذه الصفة الثمينة.

فالمعارك بين الصحافة والسياسيين قد تبرز أفضل ما في الصحافة، لكنها في الوقت نفسه قد تظهر الأسوأ فيها أيضا، كما حدث في فضيحة القرصنة على الهواتف، مما دفع روبيرت مردوخ إلى إغلاق صحيفة “نيوز اوف ذا ورلد” التي يملكها.

وعبر داكر عن قلقة من أن تقف الصحف ضد بعضها البعض بطريقة تعطي العون لأولئك الذين يرغبون في السيطرة عليها. دون أن يخفي خيبته من السلبية المتهكمة في موقف هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” من الصحافة الشعبية.

لكن هل تتوخى الصحافة الشعبية التي يقلق على مصيرها رئيس تحرير ديلي ميل، الحذر في ما تتبناه؟

تلك الصحافة التي تعمل وفق مقولة “الرداءة المطلوبة” طالما انتهكت منظومة القيم الأخلاقية التي أرسيت على مدار عقود، للإعلام والمجتمع معا، من أجل مصالح ذاتية، مستخدمة غطاء سميكا للتأثير والترهيب.

وهو ما يصفه اليستر كامبيل السكرتير الصحفي الأسبق للحكومة البريطانية في زمن توني بلير، بتعرض مسافة أخلاقية بين الجمهور والصحافة إلى المس مثيرة اشمئزاز العالم.

سيجد بول داكر من الصحفيين من يتعاطف معه كزميل مهنة، لكن هذا التعاطف لا يتنازل عن أسئلة متصاعدة عن الدور التي تلعبه صحافة يقف داكر نفسه على منصة عالية في جبهتها.

18