"لمّة العيلة" نكهة رمضان التي تغيب عن اللاجئين السوريين في الأردن

شهر الصيام يعدّ الأصعب الأصعب على اللاجئين السوريين في الأردن، بسبب الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها ونقص المساعدات الإنسانية المقدمة من الأمم المتحدة.
الخميس 2019/05/16
مائدة تنقصها رائحة الأهل

عمان - في شهر رمضان تجتمع الأسر حول مائدة واحدة في وقت واحد كل يوم، لكن بالنسبة إلى الكثير من السوريين الذين غادروا بلادهم وبعضهم ترك عائلته، لا يمثل رمضان مأدبة طعام كبيرة كما اعتادوا أن تكون، بل هو تذكير بما فقدوه، وبما يشتاقون إليه، وما يأملون في استعادته يوما ما.

تحوم صورة “لمّة العيلة” على مائدة رمضان في نواظر مَدْيَنْ الحَوراني وزوجته وأبنائهما الأربعة، فينبعث حزن وشوق إلى وطنهم السوري الذي غادروه مكرهين قبل ثماني سنوات هي عمر أزمة بلادهم. “وأنت خارج وطنك كل شيء يفقد معناه” يقول مَدْيَنْ الذي يستحضر “خير سوريا ومائدة الإفطار السحرية”، التي تبدلت بين ليلة وضحاها إلى مائدة لجوء صعبة وقاسية.

على باب منزل بسيط في مزرعة بإحدى القرى الأردنية شمال محافظة الزرقاء ينتظر مَدْيَنْ الحوراني وأسرته، موعد أذان المغرب، ليجتمعوا على مائدة إفطار لا تشبه تلك التي كانت غنية في “انخل” بمحافظة درعا قبل سنوات عدة.

يقول مَدْيَن لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) “قبل ست سنوات غادرنا أنا وزوجتي بيتنا بسبب الأحداث التي عصفت بالبلاد، وقتها لم نأخذ شيئا والتزمنا فقط بالقليل جدا، قلت لزوجتي حينها: سنرجع بعد شهر إن شاء الله. لكن الشهر أصبح شهورا وسنوات، وتبدلت أحوالنا وموائدنا، وما زال المصير مجهولا حتى اليوم”.

يصف مَدْيَن مائدة إفطار اللجوء في بيته ذي الغرفتين، وقال إنها “أصبحت تقتصر على نوع واحد فقط قليل الثمن، وتلتزم الزوجة بميزانية شحيحة جدا، وهذا النوع يكون في الكثير من الأيام الحمص والفلافل، ولا نتجاوز ذلك كثيرا”.

يقول مَدْيَن عن إفطاره في اليوم الثامن من رمضان، مبينا أنه منذ مغادرة بلاده إلى الأردن الذي لم يكن يعلم عنه شيئا، كانت مائدة اللجوء حاضرة وهي مختلفة وقاسية وصعبة عن مائدة الوطن التي كانت زاخرة بالأنواع ومنتجات أرضه التي كان يعمل فيها 40 عاملا.

يقتنع مَدْيَن بأنَّ مائدة الوطن مهما كانت هي مليئة بالخيرات، حيث يذكر عادات تبادل الأكل المنتشرة بين سكان مدينته التي يصل عدد سكانها إلى خمسين ألف نسمة، هذه العادات يفتقدها اليوم مثلما يفتقد بلاده.

أم عماد زوجة مدين، تشير إلى أنَّ “قلاية البندورة” نعمة من الله، لكنها علمتنا كم هو ضروري جدا أن يحافظ الناسُ على بلادهم، واصفة مائدة إفطار رمضان في بيت أهلها وزوجها قبل الرحيل عنها بأنها كبيرة وممتدة ومليئة بمنتجات أرضهم.

على أمل لقاء الأهل يوما
على أمل لقاء الأهل يوما

وتضيف أم عماد، أن “صينية البطاطا والفروج والكفتة” كانت طبقا رئيسا على مائدتهم في قريتهم إنخل، وحولها أصناف متعددة تماما مثل مائدة الأردني هذه الأيام التي مهما كانت أوضاع العائلات صعبة إلا أنها زاخرة ومتنوعة، ويأتيها المدد من كل الجيران وسكان الحي. وتبيّن أن الحياة اختلفت معها كثيرا وأصبحت صعبة جدا، وفي رمضان تحديدا المائدة مقيدة بمستوى الدخل الوارد إلى المنزل، ولا دخل يأتي إلا من راتب الزوج، الذي يجب أن يوزعه على أربعة أطفال وزوجة، وحياة يومية معرضون فيها للمرض والحاجة.

ويعتبر شهر الصيام الأصعب على اللاجئين السوريين في الأردن، بسبب الظروف الاقتصادية السيئة التي يعيشونها ونقص المساعدات الإنسانية المقدمة من الأمم المتحدة، ما يدفع الأطفال إلى العمل لمساعدة العائلة على تحمل المصاريف اليومية.

يقول الشاب عدي شعبان (19 عاما) إنه اضطر إلى التسرب من مدرسته منذ أن قدم إلى الأردن سنة 2013 للعمل في بيع المعجنات، “اعتدت أن يكون رمضان هو وقتي المفضل في السنة. كانت لي عائلة كبيرة، لذلك كل يوم كنا نتناول الإفطار في منزل مختلف. الآن، نحن أقل بكثير. وتغيرنا كثيرا”.

ويضيف “أشتاق كثيرا إلى طبق المليحي (المنسف) من يد جدتي ولا يزال بإمكاني تذكر مذاقه على الرغم من أنني لم أتناوله منذ سنوات”.

وتقول عائشة صياد -وهي لاجئة تقيم مع زوجها وأطفالها في مخيم الزعتري- ”رمضان في سوريا يختلف عن المخيم، هناك لنا أهل وعائلة، نزورهم في شهر رمضان، ولنا جيران وأصدقاء يسألون عنا ونسأل عنهم، يدعوننا وندعوهم إلى الإفطار ونتبادل الوجبات، وهذا لا يوجد هنا”. ويؤكد محمد خير الأحمد أن “جميع السوريين يشتاقون إلى أيام مضت، فقد كانت لرمضان في السابق طقوسا خاصة، وكانت أزكى الأكلات وأشهاها حاضرة على موائدنا”.

ويستدرك بأسى “لكن اليوم ولّى كل ذلك، وباتت حياتنا مقتصرة على بضع أكلات، ومع ذلك نشكر الله، وندعو أن تنتهي الحرب لنعود إلى منازلنا”.

20