لم أقرِّر بعد أن أموت

الثلاثاء 2013/10/29

منذ تسعة أعوام خلت، وفي يوم تموزيّ بالتحديد، وصلت ماناغوا. الطريق من المطار إلى قلب المدينة مُعبَّد ببلاط أسمنتي قديم، وإلى جانب السيارات العابرة، تسير عربات رديئة لأحصنة وحمير.

كان علي أن أنتظر أسبوعين كي أشهد أول احتفال ديني شعبي يقام في شوارع المدينة، التي تُنسيك معنى الحداثة، وتعطيك انطباعا بأن الثورة فيها قامت بالأمس وليس منذ ثلاثين عاما.

الكثير من الفعاليات والطقوس تمارس في ذلك اليوم، وقد اعتاد اللاتينيون تحويل المناسبات المتعددة إلى مظاهر بهجة وفرح ورقص، حتى قالوا هم عن أنفسهم إنهم يتعلمون الرقص قبل أن يتعلموا المشي.

في ذلك الاحتفال الذي حضرته لمرة واحدة، كان مشهد المرأة العجوز وهي ترقص جالسة على كرسي متحرك وأمامها مُجسَّم لرأس بقرة ترفعه عاليا، وتلوح به يمنة ويسرة بملامح وجه طاعنة في القدم، لكنها طاعنة بالفرح تماما كشوارع مناغوا التي تجوبها وهي ترافق تمثال القديس سانتو دومينغو إلى كنيسة بمدينة أخرى هي ماسايا. نعم، فتلك طريقتهم في تقدير القديس -المستجيب لدعواتهم-، أن يقدموا له رقصة الثور!

وهكذا ومنذ ثمانين عاما، والسيدة خوانا فرانسيسكا فيياتا ليساما، لا تمنعها سنوات عمرها الممتدة، ولا أمراض جسدها المتعددة، ولا الكرسي المتحرك الذي تجلس عليه، من أن تفي بالنذر الذي قدمته للقديس عند وفاة والدتها عام 1934، والدتها التي لم تكن هي أيضا لتتوانى عن تقديم تلك الرقصة لذلك القديس، حتى أصبحت خوانا تسمى بالفتاة البقرة، وأضحت أيقونة من أيقونات ذلك اليوم، بل إن حضورها وازى في أهميته حضور تمثال القديس نفسه.

امرأة سبعينية في سان خوسيه، عاصمة كوستاريكا، التقيتها في مطعم ثقافي، تغني فيه فرق جاز. كانت ترقص على أنغامها بقدمين حافيتين، وثياب فضفاضة، وشعر فوضوي منكوش، كأنما تتحلل من كل ما يضيق به جسدها، وتضيق به روحها. تغمض عينيها خلال الرقص، وترفض الرد على من حولها، كأنما تمارس شعيرة دينية يحرم فيها الحديث مع البشر.

كنت أراقبها وأنا مندهشة لتلك الروح التي تحملها في جنباتها ولتلك الخفة في حركاتها، حتى إذا ما انتهت من رقصتها اقتربت مني وقالت إنها تشعر بأرواح من حولها، وإنها تبلغ من العمر خمسة وسبعين عاما لكنها تشعر أنها طفلة ذات خمسة أعوام. ليس للرقص عمر محدد في أميركا اللاتينية، ليس للفرحة زمن، البلاد التي مرّت بحروب وكوارث طبيعية وبشرية، تمارس الرقص كنوع من العبادة.

فرانشيسكا التي ماتت منذ أسبوعين فقط، عن عمر ناهز المئة والأربعة، وشهدت أحداثا كثيرة في بلادها من حرب واستقلال وديكتاتوريات وثورات وفقر وزلازل، تموت وهي ترقص. أي احتفاء بالحياة!

عجوز أخرى تناهز التسعين عاما تأتي كل عام لمحل تجاري عربي تطالب بنسختها من التقويم الجديد الذي يوزعه المتجر مجانا كل عام.

عجوز آخر يزور المتجر ذاته، مرة واحدة في العام لشراء لوازمه، يسأله صاحب المتجر: "ألم تمت بعد؟"، وكفيلسوف فذ، وابن بارٍّ للحياة يجيب: "الموت قرار، أنا لم أقرر أن أموت بعد".

___________________________

* كاتبة ومترجمة من فلسطين مقيمة في ماناغوا/نيكاراغوا

14