أبريل 15, 2018

لم لا؟

ذكّرني تسليط الضوء، في الآونة الأخيرة، على القس الكويتي المسيحي عمانوئيل غريب، بواقعة لقائي مع المرحوم طلعت الغصين. فالقس الذي يعود أصله إلى جنوبي شرق تركيا، وأصبح كويتيا قُحّا.
عمانوئيل غريب كويتي مسيحي ولديه رعايا كنيسته

بسبب اهتمامي بالتاريخ العربي، لا سيما الحديث والمعاصر، توجهت ذات يوم، لزيارة رجل فلسطيني في منتصف الثمانينات من العمر، هو المرحوم طلعت الغصين، أحد مؤسسي وزارة الخارجية الكويتية، الذي تقلد العديد من المناصب الدبلوماسية، وأولها ترؤس بعثة الكويت الأولى لدى الأمم المتحدة عند الاعتراف باستقلالها، وبعدئذ، البعثة لدى الولايات المتحدة نفسها.

يومها، كان الرجل مقيما على شاطئ البحر في تونس وكنت زائرا هناك. رننت على جرس باب الفيلا، ففتح لي شاب لا أعرفه، قادني إلى حيث يجلس العم طلعت. وبدأ الحديث كالعادة بأسئلة عن الصحة والمكان وأسباب الإقامة فيه، وبعد نحو ربع الساعة، سألته عن الشاب الذي فتح الباب ثم اختفى، وما إذا كان أحد أبنائه، وما هو سبب اختفائه ولماذا لا يجلس معنا.

فأجابني الرجل بدعابته المألوفة: إنه في منزلة ابني، ولكن هناك في الإجابة عن سؤالك، ثلاث مفاجآت لك. الأولى أن الذي فتح لك الباب هو سفير دولة الكويت الراهن لدى تونس، ولأن العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية والكويت معلّقة إثر حرب الخليج، فهو لا يستطيع مشاركتنا الجلسة. أما الثانية، فهي أن السفير فلسطيني الأصل، بل غزاوي، وهذه موصولة بالمفاجأة الثالثة، وهي أنه مسيحي!

فَسّر لي كيف وصل هذا الفلسطيني إلى منصب سفير لدولة الكويت، مع اختلاف الأصل والفرع عن إخوتنا الكويتيين؟ قال لي إنه ابن أحد الذين أسهموا في بناء المؤسسات قبل استقلال دولة الكويت، وأبوه هو خليل شحيبر، الذي تقلد منصب قائد الشرطة الكويتية، وقد جاء مع أسرته في أواخر الأربعينات من القرن الماضي بعد النكبة، برفقة ابن عمه جبرا شحيبر الذي أصبح قائد الجيش.

 فقد عاشت في الكويت عشر عائلات مسيحية من فلسطين والمشرق العربي، وكان ذلك العدد كافيا لتغليب العنصر العربي المسيحي على أسلاف عناصر الجمعية الأميركية التبشيرية الطبية، التي أسست أولى الكنائس والمستوصفات.

وكانت تلك الجمعية، قد أبلت بلاء حسنا، في معالجة جرحى معركة الجهراء في العام 1920 أي تلك المعركة التي خاضها الشيخ سالم المبارك الصباح ضد مجموعات “الإخوان” السعوديين الذين حاولوا الزحف من نجد إلى الكويت.

ذكّرني تسليط الضوء، في الآونة الأخيرة، على القس الكويتي المسيحي عمانوئيل غريب، بواقعة لقائي مع المرحوم طلعت الغصين. فالقس الذي يعود أصله إلى جنوبي شرق تركيا، وأصبح كويتيا قُحّا؛ يؤشّر إلى قدرة أي مجتمع على التنوع والتسامح والوئام الأهلي. فالرجل كويتي مسيحي ولديه رعايا كنيسته، ولم لا؟

24