لم نغير العالم لكننا تغيرنا

الاثنين 2015/04/06

بالنسبة إلي، كانت تجربة ثرية ومثمرة، حتى وإن أخفقت في تحقيق وعودها وبناء عالم أفضل، حتى وإن لم تنجح في كبح جماح العولمة الرأسمالية. فعلا، لا شيء تحقّق على أرض الواقع: الفقر العالمي هو هو، الاحتباس الحراري لا يزال، المديونية العالمية متفاقمة. لكن الأهم، استيقظ الوعي مجددا بأنّ التغيير ممكن والصيرورة ليست قضاء وقدرا، وبأنّ الأقوياء إن كانوا يتحكمون في بعض الأمور بعض الوقت إلا أنهم لا يتحكمون في كل الأمور كل الوقت، وبأنّ هناك ممكنات لا متناهية، قد لا تستدعي أكثر من سعة في الخيال. بالطبع لا أتحدّث عن المسمّى بالرّبيع العربي، لكنني أعنيه في الأخير.

لو كنت مؤرخا لاحترفت التّنقيب داخل سلات المهملات، أفتش عن المسودات والصياغات الأولية التي تسبق المواثيق الموقعة، أنقب عن مشاريع القوانين التي لم يُصادَق عليها، أستعيد اللافتات الساقطة والمقترحات المنسية، طالما أنّها قد تبوح بالإمكانيات الكامنة، والتي لن تغير من الماضي شيئا لكنها قد تغير المستقبل، وهذا هو المأمول، إمكانيات لم تتحقّق لكنّها ستظل لنفس السّبب طي الإمكان. تستهويني فكرة كتابة تاريخ للوثائق غير الرّسمية. فقط علينا أن نمتلك ما يكفي من الخيال لنرى أنّ الأشياء كان بوسعها أن تكون بشكل آخر، وكل ما يقع ليس سوى إمكانية ضمن إمكانيات لم تقع.

نعم، فشلت حركة مناهضة العولمة، التي انطلقت أواخر التسعينات، فشلت بعد أن تركت لنا، كما قصص العشق، ذكريات جميلة، تلاشت مثل الفقاعة في الهواء، لكنها تركت أفكارا مبعثرة قابلة للاستكشاف، ممكنات متعثرة وقابلة للاستئناف. سأعول على ذاكرتي لاستعيد بعض المقترحات المنسية، والتي لا تحيد عن أفق التنوير الكوني :

الإعلان العالمي لواجبات الإنسان: فكرة طرحها بعض المناضلين المتأثرين بالرّؤية الكانطية، على أساس أن عقودا من ثقافة الحقوق في مواجهة الأنظمة الشمولية، يجب أن تعقبها مرحلة ثقافة الواجبات. والأمر أشبه ما يكون بمدونة السلوك المدني الكوني. لكن هذا المقترح اصطدم بسؤال فلسفي: إذا كان مصدر الحقوق هو الطبيعة البشرية، فما مصدر الواجبات؟ العقل العملي وفق كانط؟ النقاش العمومي وفق هابرماس؟ هل هو الدين وفق رؤية الحركات الدينية؟

برلمان عالمي للهندسة الوراثية: فكرة طرحها بعض علماء الأحياء الإنسانيين المتأثرين برؤية الفيلسوف الألماني هابرماس، باعتبار أن التقدم الذي تحقق في الهندسة الوراثية فتح أمام الإنسان إمكانات مفاجئة لغاية التحكم في المصير البيولوجي للنوع البشري، وهذا هو الخطر الأكبر، ما يحتم التفكير في مؤسسة تشريعية تفرض قوانين دولية لتقنين هذا المجال. وهذا الاقتراح يصطدم هو الآخر بسؤال فلسفي: ما معيار التمييز بين تحسين النسل والتلاعب بالنوع البيولوجي للإنسان؟ ومن يتحكم في المعايير؟

مجلس عالمي للحكماء: طرح هذه الفكرة برنارد كاصن، الرئيس الشرفي لحركة أطاك. في سياق تهاوي المرجعيات الكبرى التي كانت تضمن للحركات الاجتماعية سندا فلسفيا وسلوكيا لحراكها. واليوم، في غياب المرجعيات الكبرى تحتاج الحركات الاجتماعية إلى إطار مرجعي، لا يضمنه أي نص أو نصوص جامدة، فقد صارت الحياة متغيرة بنحو متسارع، ما يستدعي اجتهادات نظرية دائمة. وفي هذا الإطار طرح مقترح مجلس عالمي للحكماء، يضم أبرز الفلاسفة والمؤرخين والاقتصاديين والأكاديميين والإعلاميين، ويصدر وثيقة توجيهية للحركات الاجتماعية العالمية بنحو دوري. لكن، يصطدم هذا الاقتراح بسؤال: هل يمكن لعشرة مفكرين، أو عشرين مفكرا، أن يتفقوا على نص يجيب عن قضايا شائكة راهنية ومتغيرة؟

إصلاح ميثاق الأمم المتحدة: فكرة أطلقها بعض النشطاء، وتتعلق بمراجعة ميثاق الأمم المتحدة وجعل نظام التصويت داخل مؤسساتها يتوزع تبعا لنسبة السكان في كل بلد على حدة، بحيث تكون البلدان الأكثر عددا من حيث السكان هي الأكثر عددا من حيث نسبة الأصوات في الأمم المتحدة. غير أن هذا الاقتراح يصطدم بعقبة كبرى وهي أن موازين القوى ستنقلب بنحو فجائي نحو الصين حيث تغيب الديمقراطية وحقوق الإنسان.

مأسسة السلطة الخامسة: طرح هذه الفكرة الصحفي الفرنسي إيناصيو راموني، واقترح في المنتدى الاجتماعي العالمي بالبرازيل، إنشاء سلطة جديدة سماها السلطة الخامسة، وأوعز لها مهمة مراقبة السلطة الرابعة، سلطة الإعلام. ولا يخفى أن الإعلام، الذي يراقب كل السلط، أصبح بحاجة إلى سلطة مضادة تراقبه، بعد أن صار أداة للتحكم في الرأي العام وصناعة القرار. لكن، تصطدم هذه الفكرة بالطبيعة المؤسساتية لهذه السلطة التي يصعب استشرافها.

إن حركة اجتماعية بهذا النحو، لم تنجح في تغيير الواقع، لكنها تركت زخما من المبادرات الملهمة والمقترحات الخلاقة، وأبدعت رؤى وتصورات جديدة، تغذي الذهن وتثري الوعي، لا يمكن الحكم بأنها فشلت؟

بهذا المعنى يكون السؤال حول ما سمي بالرّبيع العربي مبرّرا: هل هناك فكرة ملهمة أبدعناها في سياق حراكنا المغدور؟ أم قدرنا أن نكون مجرد ظاهرة صوتية؟ العقل الذي لا يبدع لا يصنع المستقبل. لأن المستقبل ليس شيئا نتجه إليه أو نكتشفه، لكنه أفكار نبدعها ونبدع فيها يوميا وفي كل التفاصيل.

كاتب مغربي

9