"لم يأكلهم أحد"

خرافة “تديين” المرض، لا تقل تخريفا عن أولئك الذين أرجعوه إلى اعتياد إخواننا الصينيين على أكل الكلاب والثعابين والفئران والصراصير.
السبت 2020/03/07
كل شخص يتعامل مع الكورونا بطريقته

حالة الرعب التي تجتاح عالمنا العربي، خوفا من فايروس “كورونا المستجدّ” تكشف كم نحن دولٌ هشة! ومتابعة ردود الأفعال الشعبية على وسائل التواصل الاجتماعي تفضح كم نحن “عُبط” بشدة، إذ لا الخيل ولا الليل ولا البيداء تعرفنا، ولا السيف ولا الرمح ولا القرطاس ولا حتى “الكمامة” مع الاعتذار لعمّنا المتنبي!

هذا الفزع المنتشر لدينا أجزم أني لم أره في العديد من دول جنوب شرق آسيا -القريبة من الصين بؤرة الفايروس- والتي عدت منها مؤخرا بعد قرابة شهرين -بدعوة من إحدى المنظمات الدولية- وجدت نفسي فيهما أمام شعوب هادئة جدا، مبتسمة للغاية، تتعامل مع الأوضاع والأنباء بثقة، أهمّ ما فيها الأخذ باحتياطات السلامة الصحية والنظافة الشخصية، ولم أر أو أقرأ إطلاقا عن مواطن يشكك في إجراءات بلاده الرسمية، أو ينهال بالاتهام على شعوب مجاورة، أو يتعمد نشر شائعات و”هرتلة” على مواقع التواصل تدعو إلى منع دخول هذا أو التدخل حتى في شأن داخلي لبلد آخر بالتقليل أو الإهانة كما يفعل بعضنا.

وسائل التواصل كما أعرفها للتعارف، ولبناء جسور الصداقة، وليكون الجميع شركاء حقا في قرية صغيرة، ولكنها للأسف، وعلى يد البعض منا في “هوجة” ما تُسمى الثورات العربية، أصبحت أداة للتخريب ووسيلة لخلخلة الشعوب والدول، وأيضا بؤرة لنشر الكراهية والفوضى.. وأيضا الجهل والغباء.

ففي خضم فوضى التعامل مع هيستيريا التواصل، تناسى الجميع أنه كانت هناك قبل عقود أنفلونزا الخنازير، وجنون البقر، وتخطى العالم فزاعتيهما برشاقة. صحيح على حساب مئات الآلاف من “الخنازير” التي أعدمت، وكذلك الأبقار التي وصموها بـ”الجنون” دون أن يتدخلوا للبحث عن مصل ناجع لكثير من مجانين البشر.. الذين اعتبر البعض من “مهاويسهم” تفشي “كورونا” بالصين “البوذية الكافرة” عقابا من الله لـ”اضطهادهم المسلمين”، وعندما ظهر في نفس بلاد المسلمين وحصد أرواح بعضهم، لم يسكتوا أو يتواروا خجلا، بل إن متخلفا منهم اكتشف بعبقريته “الخائبة” أن هذا الفايروس “مسلم”، لأنه منع التجمعات في حفلات الغناء والرقص، فيما ذهب من هو أكثر تخلفا للتأكيد على أن “الكمامة” ما هي إلا ردٌ إلهي على الاستهتار بأحد أصول الدين ـ من وجهة نظره- وهو النقاب!

خرافة “تديين” المرض، لا تقل تخريفا عن أولئك الذين أرجعوه إلى اعتياد إخواننا الصينيين على أكل الكلاب والثعابين والفئران والصراصير.. عن نفسي أؤكد أنها إشاعة كاذبة وغير صحيحة، لأني أعرف أناسا ذهبوا إلى هناك.. ولم يأكلهم أحد!

24