لم يبق لليمنيين ما يبيعونه لمواجهة مصاعب الحياة

اليمنيون يبيعون كل مدخراتهم من المصوغ لإنقاذ أسرهم من البؤس والفقر ودفع رسوم مدارس أطفالهم، وتزداد مخاوفهم من أن تتواصل الأزمة ومن غياب الرواتب.
السبت 2018/04/14
رقعة الفقر تتسع كل يوم أكثر

اليمن - دفعت الأوضاع المتردية في اليمن، المواطنين ولا سيما السيدات إلى بيع مصوغاتهم الذهبية، في محاولة لتوفير قوت يومهم وتوفير حياة كريمة لأولادهم.

وكان ما ادخروه في أيامهم البيضاء، سببا لإنقاذ أسرهم من “البؤس والجوع والفقر” في أيامهم السوداء التي يعيشونها اليوم.

عبدالله زيد مواطن يمني، يعمل موظفا في قطاع التعليم، لكنه ظل على مدار 17 شهرا دون استلام راتبه الحكومي، ما دفعه إلى البحث عن مهنة أخرى جراء تردّي الأوضاع الاقتصادية وعجزه عن إطعام أطفاله الستة.

الأب الأربعيني، الذي لم يعمل في مجال آخر غير التعليم منذ 25 عاما، فشل في كل الوظائف التي التحق بها، ليلوذ في النهاية بالعمل كسائق أجرة، بيد أن فقره وعجزه، لا يضمنان له توفير سيارة تاكسي.

كان الذهب الذي اشترته زوجة زيد، منذ أمد بعيد، تلبسه في المناسبات الاجتماعية فقط، ولم تكن تعلم أن ما ادّخرته في أيامها البيضاء، كحلي تتزين بها، قد يكون سببا في إنقاذها وأسرتها من البؤس في هذه الأيام السوداء.

وقال زيد، إن قيمة الذهب كان كفيلا لشراء سيارة صغيرة، يعمل بها في شوارع المدينة الخاضعة لسيطرة جماعة “أنصار الله” (الحوثيين)، ليعول بها أسرته ويضمن بها توفير أساسيات الحياة.

أم زلفى، هي الأخرى لجأت إلى بيع ذهبها من أجل دفع الرسوم الدراسية لطفليها اللذين يدرسان في مدرسة خاصة، بعد انهيار التعليم تماما في المدارس الحكومية منذ بداية العام الدراسي. وقالت وهي تتطلع إلى سيارتها الصغيرة، وكان الصدأ قد اعترى محيط الإطارات، “الأموال وحليّ الذهب ستعوض، لكن العمر يمضي، ولذلك سأبيع كل ذهبي من أجل أن يحظى طفلاي بتعليم جيد”.

ورغم أن الأمم المتحدة والدول المانحة تعهدت بملياري دولار لإنقاذ الوضع الإنساني، خلال الأسبوع قبل الماضي، إلا أن اليمن وهو البلد العربي الأكثر فقرا، لا يزال ينحدر إلى القاع، مع استمرار الحرب.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، قال في المؤتمر الذي عُقد في جنيف السويسرية مؤخرا، إن “الوضع في اليمن كارثي، وأكثر من 22 مليون شخص في اليمن، أي حوالي 75 بالمئة من السكان، يحتاجون إلى المساعدات الإنسانية والحماية”.

وزيد وأم زلفى هما اثنان من آلاف اليمنيين الذين باتوا لا يثقون في الجهود الإنسانية والسياسية للأمم المتحدة والمنظمات الدولية، في تقديم الغذاء للمنكوبين، ووقف الحرب، ولجأو في نهاية الأمر إلى بيع مجوهراتهم ومصوغاتهم الثمينة، لتجاوز محنتهم الإنسانية.

ودائما ما تردد أم زلفى المثل الشهير عربيا، “القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود”، مضيفة، “تخلى عنا كل العالم، وتركونا نواجه أسوأ محنة إنسانية في العصر الحديث، لكن الله ألهمنا بشراء الذهب في الماضي، واليوم نحن نعيش عليه”.

رغم أن الأمم المتحدة والدول المانحة تعهدت بملياري دولار لإنقاذ الوضع الإنساني، خلال الأسبوع قبل الماضي، إلا أن اليمن وهو البلد العربي الأكثر فقرا، لا يزال ينحدر إلى القاع، مع استمرار الحرب

وتخشى أم زلفى من إطالة أمد الأزمة والحرب، وقالت، “لا يزال لدي القليل من الذهب، وأخاف أن ينتهي قبل أن تنتهي الحرب، حينها ستحل الكارثة”، ثم ترفع يديها إلى السماء مناجية “نسألك يا الله افرجها”.

الجواهرجي هشام النقيب، وهو مالك متجر لبيع الذهب في شارع جمال عبدالناصر وسط مدينة تعز، (جنوب غرب)، يقول إن الأزمة التي يعيشها اليمنيون دفعتهم إلى بيع ذهبهم ومجوهراتهم.

النقيب أضاف، “بالفعل كان الذهب طوق نجاة للكثيرين، وربما هو واحد من الأسباب التي حالت دون حدوث مجاعة حقيقية، فالكثير من الناس أحوالهم مستورة رغم الحرب والحصار”. وتابع، “الكثيرون باعوا ذهبهم ومجوهراتهم ليفتحوا مشاريع اقتصادية جديدة، كما أن عددا من النازحين باعوا ذهبهم واشتروا أراضي وبنوها وسكنوا فيها، لكن ليس كل الناس يملكون الذهب”.

ويرتبط اليمنيون بالذهب بشكل كبير، إذ تفرض العادات والتقاليد على الزوج أن يقدم لزوجته في ليلة زفافها كمية من الذهب، لا تقل في بعض الأحيان عن 50 غراما (عيار 21 قيراط).

ولا توجد إحصائيات حول حجم الذهب الذي يمتلكه اليمنيون أو المتواجد في السوق، لكنه على الأرجح يبقى الشيء الوحيد الذي يتواجد في كل بيت، ولا تكاد امرأة متزوجة أو شابة لا تمتلكه، عدا أن الكثيرين يفضلون شراءه لحفظ أموالهم، ليلجأوا إليه كملاذ آمن.

ومع انهيار سعر الريال اليمني وارتفاع الدولار الذي وصلت قيمته في السوق السوداء إلى 485 ريالا، انعكس ذلك على ارتفاع في قيمة الذهب.

ووجد اليمنيون أنفسهم أمام وفرة من المال؛ وقال عبدالله زيد، “ذهب زوجتي اشتريته بـ650 ألف ريال، واليوم بعته بمليون و400 ألف”.

وخلال الأشهر الماضية، اتسعت رقعة الجوع ومعدلات سوء التغذية الحادة في أوساط السكان بشكل غير مسبوق، وخصوصا بعد توقف رواتب مليون ومئتي ألف موظف حكومي، وتزايد معدلات الفقر.

وتحتاج خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن للعام 2018، إلى 2.96 مليار دولار، وذلك لتوفير المساعدات لنحو 18 مليون شخص يعانون من انعدام الأمن الغذائي، بزيادة مليون شخص عن العام الماضي، بينهم 8.8 ملايين لا يعرفون كيف سيحصلون على وجباتهم الغذائية اليومية.

17