لم يتغير شيء في لبنان..

الجمعة 2013/09/27

انتشر الجيش اللبناني وقوى الأمن في الضاحية الجنوبية لبيروت أم لم ينتشرا. ليست تلك المسألة.

مشكلة لبنان في أن هناك سلاحا غير شرعي يستخدم لمصادرة قرار الدولة اللبنانية وتوظيفه في خدمة «حزب الله» الذي ليس سوى لواء في «الحرس الثوري» الإيراني.

كلّ ما تبقى تفاصيل، خصوصا أنّ ليس ما يوحي بأنّ في موقف «حزب الله» من تشكيل حكومة لبنانية برئاسة الرئيس تمام سلام أي نوع من البراءة. لم يتغير شيء في لبنان.

فعندما يمنع «حزب الله» بسلاحه تشكيل حكومة لبنانية، هذا يعني بكل بساطة أنه ابتلع الدولة اللبنانية وأن لبنان مستعمرة إيرانية، وأنّ السماح للجيش وقوى الأمن بدخول «المربع الأمني» الذي اسمه الضاحية الجنوبية لبيروت لا يستهدف سوى إراحة الحزب من ممارسة دور أمني في الشارع، بما يسمح له بإرسال مزيد من المقاتلين إلى سوريا، للإمعان في قتل شعبها، من منطلق مذهبي لا أكثر.

بمنعه تشكيل حكومة لبنانية عن طريق التهديد باستخدام السلاح، يستعيد الحزب ما يعتبر أنه فقده في العام 2005 عندما تشكلت حكومات ذات تركيبة أو شكل معيّن برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة ثم حكومة برئاسة الرئيس سعد الحريري بعد نجاح قوى التحرر والسيادة في لبنان في انتخابات صيف 2009.

كان رهان الحزب، وهو رهان إيراني، على نيل أكثرية نيابية في الانتخابات، على أن تتولى هذه الأكثرية عملية تغيير ذات طابع جذري تشمل كل المؤسسات اللبنانية وتُفضي إلى وضع اليد على البلد.. بعد الانتهاء من اتفاق الطائف الذي يكرّس المناصفة بين المسيحيين والمسلمين.

كان فشل الحزب في تلك الانتخابات فشلا عظيما. لم يستطع قلب الطاولة على اللبنانيين وعلى لبنان على الرغم من كلّ الجهود التي بذلت، بما في ذلك استخدام أدوات مسيحية لتغطية عملية السطو على الدولة اللبنانية وضرب اتفاق الطائف وتفريغه من محتواه.. أو ما بقي من محتواه.

يسعى «حزب الله»، بطلب إيراني واضح إلى إعادة عقارب الساعة إلى خلف، أي إلى عهد الوصاية السوري.

وقتذاك، لم تكن لديه حاجة إلى المشاركة في الحكومات اللبنانية ما دام السوري يمسك بمفاصل الدولة، فيما لم يكن يسمح للرئيس الشهيد رفيق الحريري بممارسة أي دور باستثناء التركيز، وبحدود معينة ضيقة، على إعادة بناء البنية التحتية والقيام ببعض مشاريع الإعمار التي بقيت دون طموحاته اللبنانية الممتدة على مساحة الوطن، أي على العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومترا مربّعا. ولذلك، يمكن اعتبار ما تحقق قبل العام 2005 وفي ظروف فرضت على الحريري الأب القتال على غير جبهة، أقرب إلى معجزة أكثر من أي شيء آخر.

من يتذكّر أنه كان ممنوعا على رفيق الحريري إرسال الجيش اللبناني إلى جنوب لبنان كي يبقى الجنوب خارج سيطرة الدولة اللبنانية، تماما كما كانت الحال مع سيطرة المقاتلين الفلسطينيين عليه بعد توقيع اتفاق القاهرة المشؤوم في العام 1969.

الجديد الآن، أن على الحزب التابع لإيران التعاطي بشكل مباشر مع الوضع اللبناني، وذلك لسببين؛ الأول اضطرار القوات السورية إلى الانسحاب من لبنان، والآخر طموح إيران إلى الإمساك أكثر فأكثر بالوطن الصغير عن طريق فرض معادلة جديدة بقوة السلاح وعزله عن محيطه العربي. يحدث ذلك عن طريق تهديد الخليجيين بالخطف في حال أتوا إلى لبنان.

كان لابدّ من انقلاب على مراحل. فشلت المرحلة الأولى منه بعدما خرج «حزب الله» بعد اغتيال الرئيس الحريري بتظاهرة الثامن من آذار تحت شعار «شكرا سوريا».

هل كان مطلوبا وقتذاك شكر سوريا، سوريا- النظام وليس سوريا الشعب طبعا- على تغطيتها جريمة اغتيال الشخص الذي أعاد وضع لبنان على خريطة الشرق الأوسط بدءا بإعادة بناء بيروت، وتحويل وسطها إلى مكان يلتقي فيه اللبنانيون من كل الطوائف والمذاهب والمناطق والطبقات الاجتماعية؟

نعم، يتعرّض لبنان حاليا لانقلاب ينفّذ على مراحل، انقلاب لم يتوقف تنفيذه في لحظة من اللحظات.

إنه الانقلاب الذي بدأ بالتمديد لإميل لحود برغم صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.

إنه انقلاب كان مفترضا أن يحقق نتائجه المبتغاة بمجرد التخلص من رفيق الحريري. لم يتوقّع منفذو الانقلاب خروج الشعب اللبناني عن بكرة أبيه إلى الشارع لإخراج القوات السورية من لبنان.

كانت تلك المفاجأة الأولى. استمرّت المفاجآت وبقي اللبنانيون يقاومون على الرغم من فرض حرب صيف العام 2006 عليهم وعلى الرغم من اختلاق النظام السوري لأحداث مخيّم نهر البارد، وعلى الرغم من الاعتصام في وسط بيروت استكمالا للعدوان الإسرائيلي على لبنان. صمد اللبنانيون على الرغم من مسلسل الاغتيالات الذي طاول أشرف اللبنانيين العرب. قاوم اللبنانيون وما زالوا يقاومون نتائج «غزوة بيروت والجبل» في آيار/ مايو من العام 2008.

مازالوا يقاومون محاولة إيران وضع يدها على وطنهم الصغير عن طريق تشكيل حكومة برئاسة نجيب ميقاتي وتدجين وليد جنبلاط والدروز..

ثم منع تشكيل حكومة برئاسة تمّام سلام. الهدف تغيير طبيعة لبنان بعد النجاح في تغيير طبيعة المجتمع الشيعي.

ما نشهده حاليا يتجاوز تشكيل حكومة برئاسة شخصية سنّية معتدلة مقبولة من الأكثرية الساحقة للبنانيين. ما نشهده يتجاوز الرهان على أن ولاية رئيس الجمهورية الماروني ستنتهي بعد أقل من ثمانية أشهر، ولن يكون في الإمكان بعد ذلك انتخاب رئيس مسيحي جديد للجمهورية.

ما نشهده أيضا محاولة لتجاوز الطائف من منطلق أن موازين القوى تغيّرت، وأن ثمة حاجة إلى نظام جديد في لبنان يأخذ في الاعتبار أن البلد صار من وجهة نظر بعضهم مستعمرة إيرانية.

الدليل على ذلك أن دويلة «حزب الله» أقوى بكثير من الدولة اللبنانية التي لم تعد قادرة حتى على منع تمدد شبكة الاتصالات التي أقامتها إيران داخل الأراضي اللبنانية.

ما نشهده حاليا بكلّ بساطة هو سعي لتحويل مسيحيي لبنان إلى أهل ذمّة كما حال ما بقي من أقليات مسيحية وغير مسيحية في إيران.

هناك بكل بساطة محاولة لإلغاء لبنان الذي عرفناه وجعله تابعا لإيران لا أكثر.

يبقى سؤالان: هل هذا ممكن؟ هل صحيح أن هناك توازنات جديدة تجعل من الضروري الانتهاء من اتفاق الطائف، بايجابياته وسلبياته؟

الجواب عن السؤالين أن اللبنانيين قاوموا الاحتلال السوري عندما كان كلّ لبناني مهددا.. وأن ليس هناك ما يشير إلى أن موازين القوى تغيّرت. موازين القوى القائمة في غير مصلحة «حزب الله» وأسياده في إيران، لا لشيء سوى لأنّ النظام السوري الفئوي لا يمكن أن ينتصر على شعبه.

في استطاعة لبنان الانتظار. ما يدعو إليه «حزب الله»، بلسان أمينه العام أو غيره من الناطقين باسمه، في ما يتعلّق بـ»مؤتمر تأسيسي»، هراء بهراء. لبنان الصغير، بمساحته طبعا، أكبر من أن يكون مستعمرة إيرانية.

لا يمكن الانتصار على لبنان بتغليب طائفة على أخرى.

لبنان لا يعيش إلا بكلّ طوائفه التي تتكامل في ما بينها بعيدا عن لغة السلاح التي لا تبني وطنا، ولا تؤمن مثالثة (سنّية- شيعية- مسيحية) بديلا من المناصفة ولا تجعل من لبناني، بفضل مذهبه وسلاحه الايراني، مواطنا من الدرجة الأولى ثانيا وأخيرا.

فكل اللبنانيين متساوون في ما بينهم.

كل طائفة لبنانية أقلّية وكلّ طائفة أكثرية متى كان ولاؤها للوطن الصغير وليس للوليّ الفقيه في إيران.. أو لبابا الفاتيكان.


إعلامي لبناني

8