لم يحن بعد موعد موت الصحافة الاستقصائية

على الرغم من الجهد والوقت والمال التي تتطلبها الصحافة الاستقصائية، والأهم من ذلك شجاعة الصحفي لمواجهة السجن أو الموت، ما زال بريق هذا النوع من الصحافة في توهج مستمر وهو الذي أماط اللثام عن أخطر القضايا وأكثرها صعوبة، وحتى غزو الإعلام الرقمي لم يستطع إلغاء أهمية التحقيق الصحفي الاستقصائي.
الأربعاء 2016/01/20
الصحافة الاستقصائية لا تختفي من الصحف ولا من الأفلام

لندن - يمكن أن يكونا مجرد فيلمين سينمائيين بحبكة محكمة وشيقة لكسب متابعة الجمهور وحصد الإيرادات على شباك التذاكر، لكن بالتأكيد الأمر مختلف بالنسبة للصحفيين، هما رسالة معبرة للصحفيين: بإمكانكم الصمود لوقت أطول، الصحافة بحاجة إلى الصبر وهي قادرة على فعل الكثير في هذا العالم، الصحافة الاستقصائية لها مكان على الدوام.

يروي فيلم “سبوت لايت”، قصة حقيقية حظيت بالتتويج بجائزة، وتصور كيف أن فريقا للاستقصاء تابعا لصحيفة بوسطن غلوب اليومية عمل على قضية استغلال الكهنة في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية للأطفال جنسيا. والفيلم الثاني، وثائقي وليس دراميا، يعيد النظر في الرعب من المصابين بمتلازمة الثاليدومايد من خلال عيون السيد هاري إيفانز وفريقه المشهور في الاستقصاء في صنداي تايمز انسايت.

يبدو أن العرض الأخير للفيلم الوثائقي “مهاجمة الشيطان: هارلد إيفانس وآخر الجرائم النازية” والذي حظي بحضور جماهيري كبير، أكد أن الفيلم الوثائقي كان بليغا، وعاطفيا ومؤثرا. وأثبت أن التحقيقات الصحفية الاستقصائية القديمة ما زال صداها موجودا حتى اليوم.

من خلال وضع حكايات بوسطن غلوب وصنداي تايمز معا، يمكن للمتابع أن يكتشف العديد من الصفات المشتركة: الوقت والصبر والعزيمة، والمال، عوامل كفيلة بجعل الصحافة الاستقصائية مثمرة للغاية. تم منح الصحفيين الذين عملوا في “سبوت لايت”، مثل وودورد وبرنستين قبل عقود من الزمن، رخصة للتجول والتحقيق من جانب أحد محرري الحملات (مارتي بارون، وهو الآن رئيس تحرير صحيفة واشنطن بوست).

كان خصومهم، بطريقة ما، الكاثوليك في بوسطن، وكان هناك إجماع من السكان المحليين من المتدينين والأتقياء بأنهم لا يريدون أن يعرفوا بوجود شيء خاطئ في الكنيسة الكاثوليكية.

المسارات الرقمية تمتد طولا وعرضا ويمكنها المساهمة في نشر التحقيقات الاستقصائية على نطاق واسع

كان يدعمهم مالك صحيفة نيويورك تايمز الذي ساند فكرة طرد مارتي بارون من صحيفة بوسطن غلوب، إنسايت. في المقابل، اعتمد على إيفانز الذي يقوده الفضول، وعلى رغبة روي طومسون في تحمل فواتير التحقيقات الاستقصائية التي ينجزها الفريق.

تقول صحيفة الغارديان البريطانية، لا غرابة أن يرتفع العويل بسبب وصول هذه الحملات إلى الشاشة. ولا غرابة أن يكون صانعوها تعمدوا أن تبدو وكأنها جوائز يتم نفض الغبار عنها من ذلك العصر الذهبي بعيد المنال.

لم يكن غريبا أن الصحفيين الاستقصائيين مثل نيك ديفيس من صحيفة الغارديان كان موجودا على خشبة المسرح في العرض الأول لإيفانز، من أجل رثاء تقلص موارد الصحافة المطبوعة واندفاع الصحافة الرقمية نحو الإشباع الفوري. يوجد شيء من الوقت، والمال والطموح الذي جعل مثل هذه الصحافة ممكنة. الآن نحن جميعا فقراء وليس بيننا حكيم، على ما يبدو، فالمحاسبون والقذرون، ومخترقو الخصوصية قد ورثوا أرضنا.

وحتى الآن، وبطبيعة الحال، لا يبدو الكثير من هذه الكلمات حقيقيا. إنها مجرد صرخة إنذار حول التغيير الذي يتردد صداه عبر التاريخ. هل ولى زمن الصحافة الاستقصائية؟ ليس على أعمدة الغارديان حيث يلتقي ديفيز وإدوارد سنودن. ولا في تايمز وصنداي تايمز التابعة لمردوخ (نعم مردوخ)، حيث يعرض أندرو نورفولك الفضائح الجنسية في مدينة روثرهام والقبض على المدمنين في جوناثان كالفرت وجرائم جوزيف بلاتر الرياضية، ولا في صحيفة التلغراف البريطانية التي تتعقب نفقات أعضاء البرلمان.

مصطلح "الصحافة الاستقصائية" يصف الطرق والوسائل، وليس الموضوع أبطالها وقراؤها هم بشر من المرجح أن يكونوا قد تعرضوا للخداع

برزت العديد من المواضيع الهامة التي تطرقت إليها التحقيقات الصحفية الاستقصائية من ذلك الحانات في شارع فليت ستريت في مانهاتن، التحالفات العابرة للحدود من أجل الشراكة الرقمية، الفساد المكشوف في كازاخستان، وطرق غسل الأموال في روسيا وسبل التهرب الضريبي في سويسرا.

يواجه الصحفيون في البلقان خطر السجن أو ما هو أسوأ. ويواجه الصحفيون في أميركا الجنوبية خطر الموت الدموي. لم توقف الإنترنت التحقيقات الاستقصائية، فقد تمت إضافة مواقع مثل فايس، وفوكس ومجموعة من مواقع التقصي إلى القائمة. ولم تكن أجهزة الرقابة كثيفة ولا حتى متطورة تقنيا لتتمكن من خوض المعركة ضدها وإيقافها.

تكون أحيانا الأهداف كبيرة وملتوية، ويمكن الاحتماء والانتظار حتى مرور العاصفة. أحيانا لا وجود لشيء ملموس، مكتب وموظفون وسمعة طيبة لا تجلب الأنظار، مثلا: أعمال غلين غرينوالد التي ينشرها على موقع إنترسبت الذي يؤثثه بمفرده لا تحظى بنفس التأثير الفوري الذي تلاقيه أعماله التي يتم نشرها في صحيفة الغارديان.

يصف مصطلح “الصحافة الاستقصائية” الطرق والوسائل، وليس الموضوع. أبطالها وقراؤها هم بشر من المرجح أن يكونوا قد تعرضوا للخداع لفترة وجيزة بحكايات عن نهاية الزواج الأخير لغاري لينيكر (لاعب كرة القدم المشهور)، كما خُدعوا بحكايات عن الشراسة في مركز انعدام الأمن.

وبالتالي فإن وسائل الإعلام العالمية هي مزيج بشري من الغيرة، والتسريب، والضعف. بطبيعة الحال، لا شيء منها جديد. يتحدث إيفانز بصخب إزاء عدم وجود دعم للصحافة، ولكن التعاون أصبح اليوم هو الطريق الأسلم للمضي قدما أكثر من أي وقت مضى.

تجد صحيفة نيويورك تايمز وواشنطن بوست والصحف اليومية من فرانكفورت إلى باريس إلى لندن قضايا مشتركة. لكن لم تحظ التحقيقات الاستقصائية عبر الحدود بأي شعبية تذكر. في حين أن المسارات الرقمية تمتد طولا وعرضا ويمكنها المساهمة في نشر التحقيقات الاستقصائية على نطاق واسع.

18