لم يخن المالكي الموصل وحدها

الخميس 2014/06/12

كل الشهادات تؤكد أن الموصل، ثاني مدن العراق بعد العاصمة بغداد، قد سُلمت إلى تنظيم داعش من غير قتال. أيُعقل هذا؟ نعم، لقد انسحب الجيش تاركا أسلحته الثقيلة لمقاتلي داعش، بعد أن هرب قادته الكبار تاركين الأمر للضباط الصغار الذين قرروا أن يلوذوا بالفرار تيمنا بقادتهم.

يُقال إن أوامر الانسحاب كانت قد صدرت للجيش والأجهزة الأمنية من بغداد. وهو ما لم يعترف به رئيس الوزراء وهو يطلب من مجلس النواب تفويضه صلاحيات، يعرف المالكي نفسه أنها لن تنفعه في ظل افتضاح أمر جيشه الهزيل.

من المؤكد أن الموصل لن تعود إلى ما كانت عليه قبل يومين، حتى وإن قرر محاربو داعش مغادرتها بأنفسهم. وهو الفعل الوحيد الذي يمكن أن يطلقها من الأسر الذي وقعت فيه في ليلة عمياء واحدة.

شيء ما قد انكسر في وجدان تلك المدينة التي يرقى شعور أهلها الوطني إلى مستوى الإيمان المطلق. فما جرى للمدينة يمكن اختزاله في جملة قد تكون قاسية، غير أنها تعبر عن الحقيقة: “لقد تخلى العراق بيسر عن واحدة من أعظم مدنه”.

فإذا ما تجاوزنا التاريخ، وهو أمر صعب حين يتعلق الأمر بالحضارة الآشورية، فإن الموصل كانت قد قدمت إلى الجيش العراقي خيرة رجاله، قادة ثابتين على المبادئ الوطنية، كانت شجاعتهم مضرب المثل، وكانت وطنيتهم مثالا على النزاهة في أعظم صورها. فما الذي يمكن أن تشعر به مدينة وهبت العراق أتقياءه من العسكر وقد خانها الجيش الذي صار غريبا عن المبادئ الوطنية التي تربى عليها أبناؤها؟

الحديث عن تنظيم “داعش” وما يمكن أن يجره على المدينة، التي كانت توصف بأم الربيعين، من أهوال وويلات لا يشكل في حقيقته إلا جزءا من محنة الضمير التي صار على الموصل أن تواجه جروحها.

وهي جروح لن تعالجها ثرثرة المالكي محاطا بأعوانه الذين لم يشعر واحد منهم بالعار الذي ينطوي عليه تسليم ثاني مدن العراق للإرهابيين. في بلد، أي بلد غير العراق كان على رئيس السلطة التنفيذية أن يبادر إلى تقديم استقالته معترفا بما ألحقه من خزي بالبلاد وبشعبها، بحاضرها ومستقبلها، غير أن العراق يبقى استثناء في تاريخ العار.

لقد وقعت أهوال كثيرة عبر السنوات الثماني التي حكم فيها المالكي العراق، كانت في الجزء الأكبر منها من صناعة المالكي نفسه، غير أن حدثا مأساويا بحجم التخلي عن مدينة الموصل يكاد يكون خلاصة لكل الأهوال التي مر بها العراق. ستكون صدمة الموصل بمثابة مفترق طريق في تاريخ العراق.

ما الذي يمكن أن يقوله العراقيون في مستقبل أيامهم لإخوتهم في الموصل على سبيل الاعتذار؟ سيكون كل كلام لا معنى له. لقد تركوهم في مواجهة مصير أسود، لم يكن محتما لولا الخيانة. سيكون طعم الخيانة مؤلما وشرسا بالنسبة إلى أبناء مدينة، كان الوفاء يتخلل هواءها مثل موهبة استثنائية.

ما وقع للموصل يُمكن أن يقع لأية مدينة عراقية أخرى.

ففي ظل الفشل السياسي الذي صارت حكومة المالكي عنوانا له، صارت المدن العراقية مستباحة بطرق مختلفة. فما لم يقع الغزو الخارجي كما حدث للموصل، فإن المدن العراقية صارت تستيقظ على وقع غزوات يومية تقوم بها ميليشيات تفرض شروطها على أساليب حياة بشر صاروا بمثابة رهائن.

لقد وهب المالكي “داعش” واحدة من أجمل مدننا، وعلق في رقابنا أجراس العار.

سيكون من الصعب على ربع العراق الذي صار المالكي يحكمه اليوم، إذا ما فصلنا كردستان والمحافظات التي صارت تحت سيطرة داعش، أن يغفر له خيانته للعراق التاريخي.

لم يخن المالكي الموصل وحدها، بل خان العراق كله.


كاتب عراقي

9