لم يرحل لأنه كان دائما هناك في جهة ما غريبا في العالم

الخميس 2014/06/12
أصدقاء الفنان والشاعر حمادي الهاشمي يضعون الزهور على نعشه في مقبرة سانت مارتن لاتيم في مدينة خنت. الصورة للفنان كريم إبراهيم

مفيد نجم: أنت الأكثر رقة من الضوء

إذن لن أنتظرك بعد الآن لأنك من دون موعد حزمت سنوات غيابك ومنافيك ومضيت تاركا لنا ما تبقى من ابتساماتك المشرقة وتلويحات الوداع الذي لم يكتمل. كنت لم أزل أنتظر موعدنا الأخير لكي تحمل إلي مخطوطة كتابك، لكن الذي لم يكن ليخطر على بالي ولا في الخيال أن الذي سوف يصلني هو خبر موتك وليس أنت، فقل لي بربك كيف فعلتها وأنت الأكثر رقة من الضوء. إذن لن أنتظرك بعد الآن لا على درج الليل، ولا في الطريق إلينا من غياباتك الكثيرة التي لم تتعب منها ولم تتعب منك، حتى قررتما الافتراق فجأة بجواز سفر لرحلة واحدة دون عودة. فهل سيصدق أحد ممن يعرفك أنك فعلتها حقا، وأنت الممتلئ بالحياة والفرح والجمال. أخي وصديقي: لماذا كان عليك من المرة الأولى أن تتدحرج أمام صخرة قدرك وتخرّ صريعا مستسلما لجبروته العاتي. أما كان يمكن أن تقاوم قليلا. إن لم يكن لأجل ما كنت تحلم وتتوق إليه من جمال، فلأجلنا نحن أصدقاءك ومحبيك. فمن كان قاسيا حقا أنت أم الموت الساكن فينا وظلنا على أرض هذا الغياب، أم أنتما معا؟

أخي وصديقي: كأني أعود بك أو كأني أعود إليك منك رافضا أن يكون الكلام كلام رثاء، فلم اعتد يوما أن أكون رثَّاء يقف عند نهايات الوداع ليقول كلاما في الرحيل. لقد طويت ابتسامتك على هذا النهار وتركت للموت أن يكمل مهمته الأخيرة، بينما وقفت هناك في انتظارك كأني على موعد معك الآن أو بعد قليل. لا يكفي أن أكون حزينا لكي أعبر لك عن جلال الرزء، ولا تكفي الكلمات لكي أقول لك كم كنا نحبك، ولا يكفي الموت لكي يمتحن صدق محبتنا لك.

أخي وحبيبي: أما كان يمكن أن ترجو صاحب هذه الأقدار أن يتريث قليلا فما زال في الأرض متسع لتيهنا فيها، وما زال في الأرض أرض لنحلم فيها.

أخي وحبيبي : تعود بنا حيث كنا نسينا/ بأن الحياة التي خذلتنا كثيرا وأدمت يدينا وضاقت بنا سوف تقسو علينا/ وتتركنا مزقا في مهب عواصفها/ فلأي جدار سنسند هذي الحياة التي تتداعى بنا/ وبأي يدين سأحمل عنك سماء العراق التي كنت تطوي يديك عليها. أخي وصديقي: تأخرت عنك لكي أكمل الآن سيرة هذي المنافي/ أما كان يمكن أن تتأخر عن موعد الموت أن تدعي مرضا مثلا/ موعدا أو زحاما يحول الوصول/ أما كان يمكن أن تتأخر كي نكمل الآن هذا النشيد/ أخي ووحيدي الوحيد/ هي الأرض أم الجميع فنم في سلامك حيث تكون/ ونم في نشيد المغني وفي وردة القلب/ في الكلام القليل القليل الذي لم نقله وفي رعشة الضوء في ليلك الأبدي، وفي دمعة الصبح فيما تبقى لنا من ظلال تطوف.


ناقد وكاتب من سوريا



مريم حيدري: كيف جدلت شعرك بهذه الطريقة؟


لا أعرف لأي سبب تذكرتك قبل أيام، وحدثت نفسي أين أنت الآن؟ الرسام الغريب اللطيف الذي كان معنا في المؤتمر قبل أربع سنوات. ربما الموت يبلغنا مجيئه بهمسات، دون أن ننتبه ودون أن نعيرها اهتماما. هل تذكرتك لأنك كنت ستموت؟ لا أتذكر الآن ماذا حدث أو ماذا قرأت حتى تذكرتك ذلك اليوم.

وحتى فكرت أن أسأل صديقا عنك، ولم أفعل بفعل النسيان الدائم والمعتاد. لم أفعل إلى أن فتحت اللاب توب صباح السبت لأجد أن صديقا يخبر برحيلك. ثم يحدثني نوري الجراح مساء ليقول لي متأثرا: هل سمعت، هل تتذكرينه في الصور؟

والآن وأنا أشاهد صورا تجمعنا في تلك الرحلة، تخطر ببالي مشاهد من ذكريات لم تسجلها الصور: رسومك الكثيرة التي كنت تحملها معك كلما رأيتك وحيدا أو بين الأصدقاء، تلك الابتسامة والنظرة اللتان كانتا تجمعان دائما بين الطيبة والسخرية من شيء ما؟ (وممّ كنت تسخر؟)، حديث صديقة عنك أنك صادق جدا، وتتحدث وتتصرف دون أي حجاب، إطراؤك بي حين كان كل واحد منكم يقول شيئا عني، ذلك المساء، في الفناء الخلفي للفندق، وخطابك لي: “في حديثك لكنة تشبه لهجة أهلي”، و”يا بنت عمي” التي كنت تصدح بها كلما رأيتني قادمة، إعجاب “آية” الصغيرة بك وكأنها تقابل بطلا خرج لها من أفلام الكرتون، ومشاكساتك لنوري وهو يصدق مزاحك، وأنا أصدقه من صميم قلبي إذ يتحدث عن روحك الطيبة والشفافة.

روحك الطيبة الشفافة التي لا يعرف أحد ماذا يجري لها الآن. أصدق أولا أن هناك روحا، ثم أتخيل أن روحك هادئة الآن، خفيفة، ومثقلة بالسعادات التي كنت تشعر بها بعد كتابة تلك السطور الصغيرة الرائعة، وتلك الخطوط المنحنية التي كنت ترسم بها نفسك. (كنت ترسم نفسك)، وفيما بعد، ليس بعد وقت طويل، ستجلس روحك على صخرة في الأعالي وتنتظر من يلتحقون بك. نحن الذين سنلتحق بك سنمثل معك، لا تقلق يا حمادي، لن تكون وحيدا هذه المرة في حال حدوث أيّ سوء. هكذا، ولتحيا أخيلتنا حين تنتهي كل الحلول!

كنت أحس كلما رأيتك أنك تشعر بالوحدة في كل الأوقات (هل كنت حقا تشعر بها دائما؟). قصائدك وحتى تلك الأعضاء العارية في رسومك، وتلك الخيول، تكشف عن وحدة (هل كنت تعي ذلك؟ وهل كنت تعرف أنه يمكننا رؤية وحدتك؟).

يقولون إنك متّ وحيدا، ولم يجدوك إلا في وقت متأخر، وأتذكر تلك الرسوم الكثيرة التي أريتنا إياها عن تلك المرأة الجميلة، حبيبتك. أين كانت تلك الفتاة حين متّ؟ هل كنت تقضي أيامك هكذا وحيدا؟ دون حبيبة ودون رفقاء؟ هل كنت تثمل حبا في الحياة أم عداء لها؟ وفي انحدارك من الجنوب، هل كنت تشعر مثلي بأن الشمال منفى؟ والجنوب وطن، يقف أمامنا بأحضان مطبقة؟ الجنوب الذي يمكننا أن نشمّ رائحته في رسومك، هل تحنّ إليه الآن؟ وبماذا تشعر روحك في هذا المساء بعد مرور يومين على مغادرتك هذا العالم؟

دع كلّ هذه الأسئلة الكبيرة يا حمادي، هل تعرف أنك لم تجب عن سؤال آية التي كانت تسألك كل مرة “كيف جدلت شعرك بهذه الطريقة؟”، كنت تردّ بأنك لا تعرف الآن. تركت الأمر إلى متى أيها الرجل، ورحلت؟

شاعرة ومترجمة من إيران


عاصم الباشا: جبل من الشعر


قبل قليل صدمت بصورة وخبر: وفاة التشكيلي العراقي حمادي الهاشمي. فكتبت أول ما خطر في ذهني المرتبك: “هل يُعقل أن يرحل مجنوني المفضّل قبلي؟!”. التقيت به لأول مرة في دبي، سنة 2004 ، في اليوم الأخير من الملتقى الدولي للنحت. رأيته قادما برفقة الصديقين نوري الجرّاح وعلي كنعان، قصير القامة أسمر، يهز رأسا متوجا بجبل من الشعر بينما عيناه تومضان وهو يقرّر دون تردد “عملك أفضل الأعمال”. وحدث أن شاركوني حفل إعلان النتائج ليتبيّن أنه كان قد رأى فوزي. لم تتسن لي رؤية سوى القليل من تخطيطاته. كان مولعا برسم الجياد آنذاك، وكنت أمازحه: “كيف يغترب هاشميّ مثلك ولك في مكة حقوق؟”.

التقينا مرات قليلة في جغرافيات مختلفة، وحيث يحضر حمّادي المجنون (أضفت عليه اللقب تحبّبا… لأننا كنا نتسابق في الجنون) كانت تحلّ معه البسمة وراحة البال ومدى من الطيبة. لم نتعايش حقا سوى ساعات ربما، لكنها كانت دهرا. لن أغفر لك يا صديقي المجنون، والآن أعترف: سبقتني بالجنون وبالرحيل.

نحات وفنان تشكيلي سوري مقيم بإسبانيا

15