لم يفارقني وطني

السبت 2017/03/11

في المدة الأخيرة، وجدت نفسي موضوعا، تناوله عدد من الأصدقاء والمعارف، جلُّهم من الأدباء المعروفين، ولم تكن لي يد في هذا الموضوع وكل ما قيل فيه.

لقد أطلق بدايته الناقد العراقي د. ضياء خضير، حين طالبني أو دعاني أو اقترح عليَّ، العودة إلى العراق، وعَدَّ إقامتي بعيدا عنه، مصدر عذابات لا ينبغي أن أتحملها، ثم جاءت مشاركات أخرى، تؤيد هذا المقترح أو ترفضه، وقد اطلعت عليها، مثل أي قارئ آخر.

لي ملاحظات كثيرة على معظم ما كتب عن هذا الموضوع، لكنني سأتجاوزها ولا أتوقف عندها، لأن عدم تجاوزها، يجعل الأمر مجرد قضية شخصية، ولا أريد أن تكون كذلك ولا ينبغي أن تكون، وما أنا إلا إنسان بسيط بين أعداد كبيرة من خيرة علماء وخبراء ومبدعي العراق، رجالا ونساء، شيوخا وشبابا، اضطرتهم أسباب كثيرة ومختلفة إلى مغادرة وطنهم، والانتشار في جميع القارات ومختلف البلدان، ولكل منهم أسبابه التي دفعت به إلى مآله، وليست جميعها سياسية، وإن كان الوضع السياسي وما أدى إليه من أحوال أمنية واقتصادية واجتماعية، هو العامل الأساس فيها.

ولو مرَّ المرء بأي مقهى من المقاهي التي يرتادها العراقيون في العاصمة الأردنية أو شارك في أي مناسبة اجتماعية من مناسبات العراقيين، لوجد أهم الخبراء الإداريين والاقتصاديين والقانونيين، وكبار الأكاديميين والأطباء والمهندسين والتربويين والإعلاميين والفنانين، ويتكرر هذا الحال في عدد كبير من العواصم والمدن العربية والأجنبية، حيث تقطن في هذه المدن، أعداد كبيرة من العراقيين الذين هربوا من جحيم الوضع العام في بلادهم، ومعهم عوائلهم ، كبارا وصغارا.

ولو عُدْتُ.. فماذا تعني عودتي على الصعيد الموضوعي؟ وماذا تُشَكِّلُ مثل هذه العودة، وخيرة العلماء والمبدعين والمنتجين، تتوزعهم أرض الله الواسعة، ويستفيد من طاقاتهم وخبراتهم ومواهبهم، مَنْ لا يقدرها ولا يحترمها؟

ثم ماذا تعني عودة فرد؟ وما زالت الهجرة على أشدِّها، ونحن الذين نقيم في الأردن، نعرف استمرار تدفق المهاجرين العراقيين، حتى هذه اللحظة، سواء ممن يفكرون بالإقامة في الأردن أو الذين يخططون للهجرة إلى أوروبا وأميركا وأستراليا وكندا وغيرها.

ويخطئ من يظن أن هجرة العراقيين قد تراجعت، فهي ما زالت كما كانت، إن لم تكن قد ازدادت، بعد أن يئس المواطن من إمكانية الإصلاح وتجاوز الخراب.

أما على الصعيد الشخصي، فأمر استمرار إقامتي في عمان أو في أي مدينة أخرى، أو العودة إلى العراق، يخصني وحدي، وأنا أولى باتخاذ قرار بشأنه.

في السنوات الأولى لإقامتي في عمان، والتي لم أكن أتوقع أنها ستطول كثيرا، وفي حوار أجراه معي الشاعر الفلسطيني هشام عودة، وظهر في كتاب “الشمعة والدرويش” سألني: متى ستعود إلى بغداد؟

أجبته “لقد فارقت وطني، فما فارقني، ولست غاضبا على وطني، ولا أظن أن وطني غاضب علي، وما أنا فيه، ليس سوى خياري الشخصي، أتحمل نتائجه، وحين يقاطع الإنسان السلطة في وطنه ويثور عليها ويحتقر رموزها، فهو قراره الشخصي، وهو قرار لا يحول دون العودة إلى الوطن”.

هذا ما قلته قبل عشر سنوات، وما زلت أراه يعبر عن موقفي بشأن إقامتي في عمان أو العودة إلى بغداد.

نعم.. أنا مقيم في عمان، لست مهاجرا، ولست منفيا، و يا للمنفى .. من ادعاء! هل أصفه بالكذب؟

نعم هو كذلك في الكثير من الأحيان، إذ طالما التقينا بأشخاص اختاروا أماكن إقامتهم بأنفسهم وبذلوا من أجل الوصول إليها، الغالي والرخيص، ثم صاروا يتباكون على نفي متخيل.

وأخيرا أقول، أنا من يستبدل هذه الإقامة بالعودة إلى الوطن، حين أجد ما يسوغ هذه العودة، وفي الحالتين، لم يفارقني وطني.

كاتب من العراق

16