لم يفت الميعاد

الأحد 2017/02/05

فلاديميرا رودريغز دي أوليفيرا سيدة برازيلية مقيمة في دار للعجزة تقبل الزواج من رفيقها في الدار أباريسيدو دياس جاكوب بالرغم من تحذيرات الأطباء الذين نصحوا العروسين بعدم الارتباط.

الطريف في هذا الخبر الذي أورده موقع "ديلي ميل" البريطاني، أن العروس فلاديميرا تبلغ من العمر 106 أعوام والعريس أباريسيدو عمره 66 سنة، والأطرف أني، وبينما كنت أقرأ هذا الخبر، وأنا في انتظار أحدهم، إذ بصوت أم كلثوم يصدح من راديو السيارة "فات الميعاد".

الأطباء تعاملوا مع حب فلاديميرا، أو فلادا كما يحب أن يناديها جاكوب، أو جاكو كما تناديه حبيبته، بمقتضى ما أملته عليهما الفحوصات الطبية، وحكموا بالتفريق بينهما، لأن صحتهما لا تسمح بأن يعيشا معا. لكن نزلاء دار العجزة ومتطوعين يتابعون حالتهما كانت لهم كلمة أخرى.

الأمراض الكثيرة التي تعاني منها فلاديميرا والإعاقة التي يشكو منها جاكوب لم تمنع قلبيهما من أن ينبضا بالحب. فكان أن أقيم للحبيبين حفل لتبادل الخواتم في إطار مبادرة اختير لها اسم "مشروع الأحلام".

ارتدت فلاديميرا فستانا أبيض. تزيّنت بالحليّ. صفّفت شعرها ووضعت عليه وردة من الدنتيل بطريقة بدت وكأنها طرحة. الفرحة التي كانت واضحة على وجهها وهي تزفّ لعريسها، أخفت تجاعيد سنين كثيرة لم يكن من الممكن تغطيتها بالمكياج. لم يكن همّ فلادا أن تكون أكبر عروس في العالم بل أن تقضي حياتها مع جاكو.

تحدثت فلاديميرا عن حبيبها وكأنها صبية في العشرينات من عمرها، قالت إنها تحبه كثيرا وتمنت أن تصبح زوجته وتقضي معه بقية حياتها، رغم أنها كانت تعلم أن ذلك مستحيل. وقال جاكو "وقعت في حبّها من أول نظرة.. أعلم أنها أكبر منّي لكن هذا لا يهمّ لأنّها ستجعلني سعيدا".

كانت اللحظة غريبة في كل تفاصيلها، أنا في لحظة انتظار مملّة، أشاهد صور فلاديميرا، وهي تسير مستعينة بمشّاية، على طريق مفروش بالورد الأحمر وحبيبها جاكو في انتظارها في آخر الممر متكئا على عكّازه، وبين فترة وأخرى يشدّني صوت أم كلثوم وهي تردد "فات الميعاد، وبقينا بعاد، والنار بقت دخان ورماد، فات الميعاد".

بدا لي وكأن العروس البرازيلية، ذات المئة وست سنوات، تردّ على أم كلثوم وتؤكد لها أن لا ضرورة لنقول للزمان ارجع يا زمان. لم يفت الميعاد. طالما هناك نفس وهناك أمل.

فلادا وجاكو يعلمان أن زواجهما تحقيق لأمنية قد تكون الأخيرة في حياتهما. ورغم أنهما على طريق الموت لم يستسلما لليأس ولم يفقدا حب الحياة.

أم كلثوم تقول "طالت ليالي الألم، وتفرقوا الأحباب"، وفلادا تردّ عليها قبل أن نرحل علينا أن نحبّ. لا نضيع الفترة الزمنية الفاصلة بين صرخة الحياة وصمت الموت نعتب على الزمان ونرهن مستقبلنا بماضينا.

جاء من كنت في انتظاره. دارت عجلات السيارة وانطلقت نحو طريقي. انتهت تنهيدات أم كلثوم وجاء بعدها صوت محمد منير وهو يغني "الدنيا ريشة في هوا".

24