لم يقل بوتين كيف يمكن للأسد أن يحكم سوريا؟

الجمعة 2013/09/13

لم تكن تلك المرّة الأولى التي يلجأ فيها النظام السوري إلى السلاح الكيمياوي في الحرب التي يشنّها على شعبه منذ ثلاثين شهرا. لكنّ استخدامه للكيمياوي، بالطريقة التي فعل بها ذلك قبل ثلاثة أسابيع في الغوطة القريبة من دمشق، كان نقطة تحوّل في الأزمة السورية، وهي أزمة تطرح مصير وحدة البلد ومصير الكيان السوري على بساط البحث.

يدلّ على التحوّل أنّ البحث بدأ جدّيا في كيفية خروج بشّار الأسد من السلطة. كلّ ما عدا ذلك كلام لا معنى له، خصوصا أن روسيا ورّطت النظام السوري في عملية التخلص من سلاحه الكيمياوي. وهذا التورط يعني في طبيعة الحال اعتراف النظام ضمنا بامتلاك هذا السلاح واستخدامه.. على الرغم من إصرار الرئيس فلاديمير بوتين في مقال نشره في «نيويورك تايمز» على أن المعارضة هي التي ارتكبت مجزرة الغوطة.

بعد هذا الاعتراف بامتلاك النظام السوري للسلاح الكيمياوي، لم يعد موضوع الكيمياوي مهمّا، كذلك لم يعد مهمّا أن تضرب الولايات المتحدة أو لا تضرب، وهي بحشدها كلّ هذه القوى في البحر والبرّ إنما وجهت ضربتها وجعلت روسيا تتحرّك للمرة الأولى في اتجاه البحث عن حلّ جدي.. أي عن إيجاد طريقة تضمن خروج الأسد الابن من السلطة بالتي هي أحسن.

لاشكّ أنّ الولايات المتحدة تفضّل تفادي استخدام صواريخها وسلاح الجوّ ضدّ أهداف سورية، وذلك بغض النظر عن رأي فلاديمير بوتين الذي ركّز في مقاله على خطورة مثل هذه الضربة على النظام العالمي. فالرأي العام الأميركي في ضوء حربي أفغانستان والعراق، اللتين أشار إليهما الرئيس الروسي، ليس في مزاج يسمح بخوض حروب جديدة حتى لو كانت محدودة. لكن الحشد العسكري بدا كافيا لتحقيق الهدف المطلوب بعد أشهر طويلة من التردد أدّت عمليا إلى تفتيت البلد بناء على أجندة واضحة تصبّ في القضاء على سوريا التي عرفناها، وعلى نظام لا يؤمن سوى بإلغاء الآخر، نظام قام على الابتزاز ولا شيء آخر غير الابتزاز.

هل من نظام في العالم لا دور له سوى تصدير الأمن، بالمفهوم السلبي للأمن، الى دول الجوار، أي الى لبنان والأردن وتركيا.. وحتى إلى دول بعيدة في الخليج من بينها البحرين على سبيل المثال وليس الحصر؟ هل من دولة عربية وحتى غربية لم تتعرّض للتحرّش من النظام السوري إما بطريقة مباشرة، أو عن طريق لبنان عندما كان الوطن الصغير تحت الوصاية؟

آن للابتزاز أن ينتهي. لا يمكن لنظام، مهما بلغت قوته، الاستمرار عن طريق اعتماد سياسة الابتزاز، خصوصا عندما يكون هذا النظام فئويا ولا يمتلك أية خيارات سياسية أو اقتصادية في أي مجال كان.

إنه نظام خطر على السوريين وعلى دول الجوار، باستثناء اسرائيل طبعا. إنه نظام غير قادر لا على الحرب ولا على السلام، نظام يؤمن بأن القضية الفلسطينية تجارة وأن البديل من الانتصار على اسرائيل أو استرجاع الجولان بالمفاوضات أو الحرب، هو الانتصار على لبنان واللبنانيين.

انتهى هذا النظام بطموح واحد أحد يتمثّل في الانتصار على الشعب السوري. لنفترض أنه انتصر على الشعب السوري. ماذا سيفعل بعد ذلك؟ هذا ما لا يقوله لنا الرئيس بوتين في مقاله. هل يستطيع بشّار الأسد حكم سوريا بعد اليوم؟ هل يمكن أن يكون هناك رئيس سوري في حال المضطر إلى خوض حرب يومية مع شعبه مستعينا بقسم فقط من طائفته وبميليشيا مذهبية عناصرها لبنانية تصدر الأوامر إليها من طهران؟

يقول المنطق أن النظام السوري انتهى. تحرّك الأوروبيون والأميركيون، بعد استخدام الكيمياوي بشكل واسع في الغوطة، لأنّ البلد صار مستنزفا. وهذا ما كان مطلوبا من البداية. بدأ التحرّك الدولي أيضا لأنّ إيران صارت في وارد التفكير في كيفية عقد صفقة ما مع الولايات المتحدة، بعدما أدّت العقوبات المفروضة عليها بسبب ملفها النووي جزءا من الغرض المطلوب.

أكثر من ذلك، إن الروس يعرفون حقيقة الوضع على الأرض السورية. ويدركون خصوصا الحال النفسية للرئيس السوري والمحيطين به. وهذا ما يعرفه البريطانيون أيضا.

لم يعد الكلام عن السلاح الكيمياوي سوى غطاء لمفاوضات مباشرة في العمق بين الأميركيين والروس تستهدف البحث في ترتيب أوضاع سوريا ما بعد الأسد. هذا لا يعني أن إيران خارج الصورة، خصوصا أن لديها قنوات اتصال مباشرة وغير مباشرة مع الولايات المتحدة.

كيف سيكون الإخراج لعملية خروج الأسد الابن؟ هذا هو السؤال الكبير، خصوصا أن روسيا باتت مقتنعة بأن ليس في الإمكان إنقاذ الرئيس السوري، حتى لو وفّرت له كلّ ما لديها من أسلحة. حتى لو جنّدت كل ديبلوماسييها من أجل أن يقولوا أن المعارضة هي التي استخدمت السلاح الكيمياوي. هل من كذبة أكبر من هذه الكذبة وأكثر وقاحة منها؟

يبقى كيف سيتصرّف بشّار الأسد؟ هل يستطيع الخروج من عالمه الخاص والتعاطي مع الواقع بدل ترديد كذبة، ينتهي الأمر بتصديقه لها، من نوع أن الشعب السوري يحبّه شخصيا لكنّه لا يحب حزب البعث.

هناك إشارات معيّنة إلى أن الرئيس السوري، رغم كلّ ما صدر عنه حديثا من كلام لا علاقة له بالحقيقة والواقع، مثل وصف شعبه الثائر بأنه مجموعة «إرهابيين»، بات مقتنعا بأنّ لا خيار آخر غير الرحيل.

من يعطيه الضمانات خصوصا في شأن سلامته وعدم محاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب؟ من يستقبله مع أفراد الحلقة المحيطة به؟ مَن من مساعديه سيبقى في سوريا ومن سيسمح له باللجوء إلى البلد العربي، على الأرجح، الذي سيستقبله؟

في كلّ الأحوال، لم تعد المسألة مسألة سلاح كيمياوي استخدم لقتل أبرياء من أبناء الشعب السوري. المسألة أن سوريا التي عرفناها لم تعد قائمة. هذا بات أمرا أكيدا. ما ليس أكيدا هل من أمل في إعادة اللحمة إلى البلد بعد كلّ الدمار الذي تسبب به نظام لم يقتنع يوما أن التركيبة التي قام عليها منذ عام 1970 لم تعد قائمة وأنّ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، أو تغطيتها، والتي أدّت إلى خروجه العسكري من لبنان عام 2005 هي في حجم جريمة اجتياح صدّام حسين للكويت في العام 1990؟


إعلامي لبناني

8