لنا ذاكرة الأرض ولكم أنور السادات

اليوم ونحن نجني الثمار المرة لمذبحة التعليم الذي لم يعد تعليما، نستدعي السادات المسؤول عن وجود "تعليم بلا مدارس ومدارس بلا تعليم".
الثلاثاء 2018/09/04
امتحان الرياضيات هو امتحان الضرب والقسمة!

الخبر العابر للأطلسي من واشنطن يفيد بأن مجلس الشيوخ الأميركي وافق بالإجماع، الخميس 23 أغسطس 2018 على مشروع قانون لتكريم أنور السادات بمنحه وسام الكونغرس الذهبي بمناسبة مرور أربعين عاما على اتفاقيات كامب ديفيد. مفارقة تذكرنا بأن إعداد جثة الميت في مصر القديمة كان يستغرق أربعين يوما لبدء رحلته إلى العالم الآخر. رقم 40 منذ القدم يدعو إلى التشاؤم ويجدد الأحزان؛ فذكرى “الأربعين” إلى اليوم يعيد فيها أهل المتوفى استقبال العزاء في فقيدهم. ولم يكن ما أطلق عليه السادات مسمّى السلام يلزمه كل هذا الوقت؛ لكي يتأكد لنا أنه، السلام لا السادات، جاهز للتحنيط والدفن والنسيان، بلا عزاء. ولا تفلح معه أمنية عبدالفتاح السيسي في 17 مايو 2016 بأن تكون علاقة مصر والعدو الصهيوني “أكثر دفئا”.

تكرم الأمم أبطالها الوطنيين، وصفوة أصدقائها. ولا أتصور أن يفكر الكونغرس في تكريم أي من هؤلاء: جمال عبدالناصر، كوامي نكروما، تشي غيفارا، سلفادور الليندي. ربما يحظى هؤلاء الزعماء باحترام كامل وكامن لا يبلغ الألسنة في الجلسات الرسمية. وبهذا المنطق فقد تأخر تكريم السادات صاحب “مذبحة التنازلات”، والتعبير لوزير الخارجية آنذاك محمد إبراهيم كامل في كتابه “السلام الضائع في كامب ديفيد”، وقد قال له السادات “سأوقع على أي شيء يقترحه الرئيس الأميركي كارتر دون أن أقرأه‏”، فتحول الرئيس “إلى موظف في حضرة كارتر يتلقى تعليماته‏”، ورفض أن يناقشه الوزير في شيء، وصرخ في حضور حسن التهامي وحسن كامل وبطرس غالي وأشرف غربال “وماذا أفعل إذا كان وزير خارجيتي يظن أني أهبل”. واستقال الوزير يوم 16 سبتمبر 1978، عشية توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، تاركا مقعده شاغرا أثناء التوقيع‏، فكان ثالث وزير للخارجية يستقيل خلال أقل من سنة، بعد إسماعيل فهمي ومحمد رياض؛ لأنهم رأوا العدو عدوا. ويمكن استعادة المشهد الأخير في مسرحية كامب ديفيد، مساء 17 سبتمبر 1978، حين قال مناحيم بيجن إن كارتر بذل جهدا “يفوق العمل والجهد الذي بذله أجدادنا عندما بنوا الأهرامات في مصر”، فضحك كارتر، وصفق السادات، وأطلق قهقهة خالية من الوقار، وهو لا يعي قسوة الإهانة لبلاده، ولا يدرك مدى جهله؛ إذ يعرف أي دارس لعلوم المصريات أن الأهرام بنيت في الأسرة الرابعة (2613ـ 2492 قبل الميلاد)، قبل بضعة قرون من زيارة أسطورية للنبي إبراهيم لمصر، لا ذكر لها إلا في العهد القديم.

لأدع السياسة جانبا؛ فاليوم ونحن نجني الثمار المرة لمذبحة التعليم الذي لم يعد تعليما، نستدعي السادات المسؤول عن وجود “تعليم بلا مدارس ومدارس بلا تعليم”، والعبارة للدكتور شكري عياد (1921ـ1999). وسيطول اقتباسي من شهادة للدكتور عبدالعظيم أنيس، الكاتب الماركسي الذي أصدر عام 1954 بالاشتراك مع صديقه محمود أمين العالم كتاب “في الثقافة المصرية”، فكان من أبرز التحولات في النقد الأدبي والثقافي، منذ كتاب “في الشعر الجاهلي” لطه حسين عام 1926.

نشرت شهادة عبدالعظيم أنيس في مجلة “وجهات نظر”، في مايو 2005، في حياة أغلب الذين ذَكر أسماءهم، وتناول فيها بداية الفساد التعليمي، منذ يناير 1974، عندما كان جمال أنور السادات طالبا في الثانوية العامة، وكان أنيس رئيسا للجنة القومية لتعليم الرياضيات في التعليم العام، ومستشارا للوزارة ومشرفا على تدريب المدرسين في الرياضيات المعاصرة: بدأت صحف الحكومة فجأة تتحدث عن صعوبة مناهج الثانوية العامة، وإلى هنا فإن الأمر طبيعي إلى حدّ ما. لكن الأغرب من ذلك أن الموضوع دخل مجلس الوزراء.. نعم أخذ مجلس الوزراء يناقش صعوبة مناهج الثانوية العامة، وكان د. عبدالقادر حاتم يرأس المجلس، وقرر تشكيل لجنة وزارية لبحث الموضوع! إن الشكوى من مناهج التعليم العام أمر طبيعي والآراء بين التربويين تتفاوت حول هذا الموضوع، لكن الطبيعي أن يدور الجدل حول هذا في أروقة الوزارة المختصة.. وزارة التعليم. أما أن يجد مجلس الوزراء الوقت لمناقشة مناهج الثانوية العامة بالذات وفي عام 1974 بالذات عندما كان جمال السادات طالبا بالثانوية العامة. فلا بد أنه كان مصادفة سعيدة!

وقد شكلت اللجنة الوزارية لبحث هذا الموضوع من المرحوم د. حسن الشريف وزير التأمينات، ود. محمود عبدالحافظ وزير الإسكان، والدكتور كامل ليلة وزير التعليم السابق، والمرحوم الأستاذ علي عبدالرازق وزير التربية والتعليم. واستدعيت أنا لحضور اجتماعات اللجنة مع أساتذة آخرين من الجامعات ومن رجال الوزارة في مكتب وزير التأمينات.. قلت للصديق المرحوم د. حسن الشريف ساخرا في الهاتف “إن العلاقة بين التأمينات ومناهج الثانوية العامة لا بد أنها وثيقة، وإلا ما عقدتم الاجتماع في وزارة التأمينات”.

ولقد كان واضحا أن الأستاذ علي عبدالرازق لم يكن راضيا عن هذا العمل، ولذلك لم يحضر الاجتماع وحضر الدكتور كامل ليلة الاجتماع قرب نهايته، ودارت المناقشة أساسا بين المستشارين وبين وزيري التأمينات والإسكان. وكان واضحا منذ أول الاجتماع، أن مادة الرياضيات هي المستهدفة بالاختصار الشديد، ولذا دارت مناقشات حادة بيني وبين وزير الإسكان طالت لأكثر من ساعة، وصمّمت على موقفي برفضي طلب وزير الإسكان بإلغاء كتاب التفاضل والتكامل من مناهج الثانوية العامة، والتفت دكتور محمود عبدالحافظ إلى المرحوم دكتور حسن الشريف وقال بالإنكليزية بصوت مسموع “لا فائدة.. لا يوجد طريق للتفاهم”. وأرسل لي أستاذ جامعي تحت منضدة الاجتماع، ورقة سلمها لي دكتور صبحي عبدالحكيم الذي كان يجلس بجواري، يقول فيها “كفى.. إنك لن تقنع هؤلاء الناس بشيء أبدا”. وانفضّ الاجتماع وأنا على موقفي ورجال الوزارة من أساتذة الرياضيات متضامنون معي في هذا الموقف، مقتنعون بالأسباب التي أبديتها في رفض طلبات وزير الإسكان.

كان هذا في ما أذكر في يناير سنة 1974، وبعدها نسيت الموضوع، وانشغلت بأعمال كثيرة منها وضع امتحان الثانوية العامة لدورة يونيو سنة 1974 في الرياضيات، ومنها الإعداد لسفري إلى بريطانيا لمدة ستة أشهر من مايو إلى أكتوبر كأستاذ زائر في إحدى جامعات بريطانيا.. حتى كان يوم جمعة خلال شهر مارس سنة 1974 خرجت فيه مع أسرتي لقضاء النهار في “برج المنوفية” وتناول الغداء هناك.

وعندما عدنا بعد الظهر أخبرنا الجيران أن سيارة من رئاسة الجمهورية جاءت تسأل عني مرتين، وأن رجلا بالسيارة ترك لدى الجيران ورقة لتسليمها لي، وعندما فتحت الورقة وجدت أنها من مكتب الرئيس ومكتوب عليها بالحبر “رجاء الاتصال بأرقام التليفونات..”.. وأدرت قرص الهاتف.. وعرفت أن الذي يرد على الهاتف هو رجل قال عن نفسه إنه العقيد رؤوف، وإنه يريد أن يعرف متى يرسلون سيارة من الرئاسة لحضوري إلى منزل الرئيس لأن جمال لديه أسئلة في الرياضيات يريد أن يسألني فيها؟

وامتلأت نفسي بالغضب وقلت لمحدثي وأنا أحاول أن أضبط أعصابي “إنك لا شك لا تعلم أن أستاذ الجامعة يحال إلى مجلس تأديب إذا أعطى دروسا خاصة”.

قال في برود “لا أعرف”.

"الحديث عن سيادة القانون هو عبث في عبث"
"الحديث عن سيادة القانون هو عبث في عبث"

قلت “أنا واثق من ذلك.. وواثق أيضا أنك لا تعرف أنني واضع امتحان الثانوية العامة!”.

قال في برود أيضا “لا.. لا أعرف”، وأعطيته اسم أحد المدرسين الأوائل بالمدارس الثانوية ليتصلوا به حتى يجيب على أسئلة جمال السادات في الرياضيات، ووضعت السماعة.

لكني بقيت في ثورة غضب طوال الليل، وحاولت المرحومة زوجتي أن تهدّئ من غضبي، وفي الصباح ذهبت إلى وزير التعليم المرحوم علي عبدالرازق لأخبره بما حدث ولأعرف منه ما إذا كان على علم بهذه المهزلة أم لا؟

لقد كنت ومازلت أكنّ لهذا الرجل محبة، لسابق معرفتي به، ولم أكن أتصوّر أن تكون له صلة بهذا الموضوع. ولقد أثنى الرجل على موقفي، لكني وجدته يحاول أن يقنعني بالذهاب مرة واحدة إلى منزل السادات لتقييم “الولد” كما قال “فأمه منزعجة بسبب حالته وهي تخشى عليه من الرسوب في الامتحان ولا تعرف ماذا تصنع!”.

وفهمت من الوزير أنها كثيرة الاتصال به في هذا الموضوع، وأنه يشعر بحرج شديد.

قلت له “لماذا لا ترسل أحد مفتشي الوزارة أو مدرسيها الأوائل لتقييم الولد، إن كانت المسألة مجرد تقييم. إنني أريد أن أعرف من الذي أعطاهم اسمي بالذات”.

قال الوزير “إن اسمك موجود على الكتب، والكل يعرف أنك تزور المدارس كثيرا لمتابعة مشروع الرياضيات المعاصرة الذي بدأ مع اليونسكو”.

وصممت على رفض طلب الوزير وقد حاول أن يستخدم معي حججا أخرى، فقد قال “إن السادات خارج من حرب أكتوبر، وليس لديه الوقت للإشراف على الولد”.

وضحكت، وقلت “هل تريد أن تقنعني بأن السادات لو لم يكن خارجا من حرب أكتوبر لساعد ابنه في الرياضيات؟ إنني بصراحة لا أتوقع من وزير التعليم أن يطلب مني هذا الطلب”.

وانصرفت من مكتب الوزير حزينا وتملّكني الشعور بأن ما حدث بالأمس ليس إلا المحاولة الثانية، بعد فشل المحاولة الأولى في اختصار المناهج بشدة على يد اللجنة الوزارية، وكان أشدّ ما أحزنني هو الشعور بأن مصر تدار كعزبة.. وعلى الخولي التملّي، والأنفار أن يكونوا في خدمات السيد صاحب العزبة، وأن الحديث عن سيادة القانون هو عبث في عبث.

ولم يمض على هذه الواقعة أكثر من شهر حتى حدث تعديل وزاري! وخرج المرحوم علي عبدالرازق من وزارة التربية والتعليم، وعين الدكتور مصطفى كمال حلمي مكانه في أبريل سنة 1974، وذهبت إليه مهنئا كصديق قديم لكنني حكيت له القصة بأكملها وسألته عما إذا كان يعرفها، فقال إن هذه أول مرة يسمع بها، قلت على الفور “على أي حال لقد رويت تلك القصة حتى لا يحاولوا معك”.

كان هذا في أبريل سنة 1974 ولم يبق على امتحان الثانوية العامة المصرية غير شهرين. وقد عرفت بعد ذلك أن شخصا ما تقدم لهم بالحل العبقري.. وهو إخراج ابن السادات من امتحان الثانوية العامة المصري، وإدخاله امتحان الثانوية الإنكليزية في يونيو، حيث لا يوجد امتحان في اللغة العربية، وحيث امتحان الرياضيات هو امتحان الضرب والقسمة!

أما من هو الشخص لم أعرف.. ومنذ ذلك الحين اكتشف أبناء القادرين وتلاميذ المدارس الخاصة ما اكتشفه ابن السادات عام 1974، وهو أن هناك بابا خلفيا لدخول الجامعات المصرية حتى ولو كنت لا تعرف أي شيء عن لغتك القومية، كما لا تعرف شيئا في الرياضيات، وهذا الباب الخلفي يدعى “الثانوية الإنكليزية”.

انتهت الشهادة، ودخل جمال أنور السادات كلية الهندسة من الباب الخلفي، بشهادة الثانوية الإنكليزية التي تنسف مبدأ تكافؤ الفرص.

من هنا بدأ فساد التعليم.

17