لنحتفل بالاعتراف بجهلنا حتى نبدع ونبتكر

الأحد 2015/03/22

أعلن الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة عام 2015 عاما للابتكار، كما أطلق الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في أكتوبر الماضي الاستراتيجية الوطنية للابتكار والتي تهدف لجعل الإمارات ضمن الدول الأكثر ابتكارا على مستوى الدول خلال السنوات السبع القادمة.

تلك هي رؤى وعمل القيادات التي تستثمر في دولها وتعمل المستحيل للرقي بمواطنيها والمقيمين فيها وتسعد الجميع بمن فيهم زوار الدولة. ولكن هل تعي بعض القيادات في بعض المؤسسات الحكومية والخاصة معنى الابتكار والإبداع في العمل، ومعنى أن تكون هناك بيئة عمل إبداعية كما يريدها قادة الدولة؟ وماذا عن القيادات التي لم تعرف من قبل الإبداع والابتكار في العمل ظنا منها أن ما تقدمه هو الأفضل ولا شيء يعلو على خدمات المؤسسة لديهم؟

هناك الكثير من القادة ممن همّهم الأول والأخير هو الحفاظ على الوضع الراهن لأنّه يضمن الحفاظ على مناصبهم في المؤسسات التي يديرونها. الحفاظ والإصرار على الوضع الراهن نابع من عدم قدرة مثل هذه القيادات على تقبل الجديد وتقبل التغيير بل وأحيانا كثيرة الخوف من التغيير لأنه يحمل اللامعروف أو المجهول بالنسبة إليهم. فلديهم يقوم العمل على مبدأ أنه كلما تغيرت الأشياء كلما بقيت كما هي دون تغيير، وهذا المبدأ نابع مما يحملونه من جهل إما في جيناتهم أو في طريقة التفكير التي أنشئوا عليها.

مشكلة الجاهل هي أنه يعيش في الماضي لأنه يعرف تفاصيل ما مرّ به أما المستقبل فهو إما غير معروف أو مرعب بالنسبة إليه لما يحمله من المجهول الذي ربما يكون هو غير مستعد له. أحيانا كثيرة يتصرف بعض من يديرون المؤسسات على أن هناك تغييرا مستمرا ويحثون الموظفين وأحيانا المتعاملين على تقديم المقترحات والملاحظات حول أداء المؤسسة لكن نادرا ما يكون هناك تغيير. وكما ذكر شالز جايكوبس، في كتاب “Management Rewired“ أشارت الدراسات إلى أنه عندما يُقدّم الموظف الملاحظات الايجابية للمؤسسة التي يعمل بها عادة لا تكون هناك نتيجة ملموسة ولا تغيير ولا تطوير في العمل، والملاحظات السلبية هي الأخرى لا جدوى منها، لأنه كما أشار جايكوبس أن التركيز هنا يكون على الماضي وحتى المقترحات والأفكار الجديدة تُبنى على ممارسات أو سيناريوهات حدثت في الماضي.

الجهل هو حالة من عدم العلم أو المعرفة بالشيء من جوانبه المختلفة أو هو أن يعرف الشخص القليل أو لا شيء عن الفكرة أو الموضوع وأن يُصرّ على الاحتفاظ بما لديه من معلومات تناقض الواقع. وكثيرا ما نرى أو نسمع عن أشخاص قاموا بقمع الإبداع لدى آخرين فقط لجهلهم في الأمر ورفضهم التغيير. فعلى سبيل المثال لا الحصر الأطفال الذين يولدون من دون إعاقات أو مشكلات ذهنية هم في الحقيقة مبدعون ويصبحون أكثر ابتكارا في حياتهم الخاصة والمهنية عندما يكبرون إلا أن الجهل في التربية أو تربية الآباء الجاهلين تؤدي إلى قمع الإبداع لديهم وفي سنّ مبكرة.

سيكولوجية الإبداع والتفكير الإبداعي الابتكاري يولد بها البعض والبعض الآخر ممن لديه استعداد على استثمار الظروف التي من حوله فيمكن أن تساعده على المرونة في النظر إلى الأمور، كما أن الظروف المحيطة في بعض الأحيان قد تقتل الابداع حتى لمن يولد بمواهب إبداعية. الإبداع هو أن يُغرّد الشخص خارج السّرب وهو أن يأتي بغير المألوف وأن يكون في حالة من الإبداع المستمر وأن تكون أفكاره ذات أصالة ومرونة وتكون لدى الشخص القدرة على تحليل الأمور من أبعاد مختلفة والأهمّ من كل ذلك أن يعترف الشخص بجهله في أمر ما ويبدأ بالبحث والعمل على تطوير الفكرة بشكل يتناسب مع التكوين الابداعي للفكرة. عندما يعترف الشخص مهما كان منصبه وبصراحة عن جهله هنا يستطيع أن يحتفل بدخوله في عالم التفكير الإبداعي والابتكاري.

صحيح أن الجهل في بعض الأمور نعمة مثل أن يجهل الإنسان متى يتوفاه الله وإلا كان سيعيش مثل الوحوش ويتخبط مثل الذي به مس. ومثل ذلك الشخص الذي يجهل أن الناس تعلم أنه جاهل وتُطلق عليه صفة “الجاهل” لأن علمه برأي الآخرين ربما يحطمه، لكن يصبح الجهل نقمة عندما يعلم الشخص أن العالم يتغير وهو مصرّ على الارتباط بجهله هنا يتحول الأمر إلى نقمة ربما تدمره وتدمر من حوله، فالجاهل هو شخص خطير على نفسه وعلى من حوله.

يُقال إن الخيال الملهم يؤدي إلى الإبداع أما الجاهل فلا مكان للخيال في حياته لما لقوة العقل من الإبداع في الخيال، والخيال هو إما أن نتخيل شيئا أو حالة غير موجودة على أرض الواقع وإما أن نرى الصورة الواقعية بشكل أجمل وجديد لم يُسبق لها أن كانت عليها. علينا أن نحتفل بالاعتراف بجهلنا حتى نُبدع ونبتكر. ها هم في العالم مشغولون بداعش والإخوان وقادتنا في دولة الإمارات مشغولون بالإبداع والابتكار ومستمرون في النهضة والتطور وهذا في حد ذاته إبداع وابتكار بطريقة أو بأخرى.

استشارية نفسية وكاتبة من الإمارات

5