لنختلف.. لكن في صمت

حق الاختلاف في العالم العربي لم يكن يوما قابلا للتطبيق بل اقتصر على الشعاراتية الزائفة والتغني بما لا يؤمن به مجتمعنا فعليا.
السبت 2020/06/20
الاختلاف من أسس الطبيعة البشرية

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا حيث وصلت إلى محطة برشلونة وسط العاصمة وهي نقطة التقاء لعربات المترو الخفيف التي تؤمن التنقل داخل إقليم تونس الكبرى.

شاء القدر أن أضرب موعدا مع أستاذة كانت قد درستني بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار.

بعد ترحاب وحديث مطول عن التجارب المهنية التي بصدد خوضها فاجأتني أستاذتي باعترافات مفادها أنني لا أروق لها كثيرا ولا نظرتي للأمور حيث أمثل بالنسبة إليها علمانيا هدفه الوحيد التشكيك في المعتقدات الإسلامية وضربها.

وضربت لي مثلا مساندتي قبل سنوات، وحتى الآن، لتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة في تونس وهو تقرير يهدف إلى سن قانون يحصن الحريات ويرسي مساواة تامة بين الجنسين.

في الواقع لم أتفاجأ من هذه السردية حيث يعد كل نفس يخالف السائد شخصا شاذا في بيئتنا العربية رغم ما تشهده تونس من تغن بقيم الحرية والجهود الرامية لتعزيز الحريات.

حاولت أن أدافع عن رأيي فأجبتها مستعملا ألفاظا بليغة بأنه لا شيء يدعونا إلى التضييق على الآخر لأنه مختلف عنا على غرار المثليين جنسيا أو من يجاهر بالإفطار في رمضان أو غيره. كما أن المساواة في الميراث هي خطوة تضاعف رصيد نساء تونس من الحقوق وأنني لا أعتقد أن الرب سيغضب علينا إذا ساوينا بين بعضنا البعض بل العكس هذا يُحسب لنا في سياق محاولة إقامة العدل ونبذ الفروقات مهما كانت اعتباراتها جنسية أو عرقية أو غيرها.

ما يمكن استخلاصه من هذا النقاش أن حق الاختلاف في العالم العربي لم يكن يوما قابلا للتطبيق بل اقتصر على الشعاراتية الزائفة والتغني بما لا يؤمن به مجتمعنا فعليا. وحتى القوانين التي تستهدف إرساء قيم المواطنة وتنظيم العيش المشترك ليس لها أي حضور في وعي الأفراد.

فهؤلاء لا يعتبرون الاختلاف حقا فإما “أن تكون معي أو ضدي”، ولا يأبهون بأن منظومة الحريات والحقوق كما الديمقراطية لا تتجزأ بمعنى أن لا احترام للديمقراطية ولا لمنظومة الحريات (تعبير وصحافة وغير ذلك) إذا كنا نؤسس لهدم أهم حق (الاختلاف).

لذلك يقول لنا المتعصبون لأفكارهم “لنختلف لكن في صمت” لأنهم يؤمنون بأن مشاريعنا تقوض مشاريعهم بالرغم من أن الحق في الاختلاف لا يؤسس إلا لفرز حقيقي دون قمع: “لنستمع إلى بعضنا البعض ويتبنى كل منا ما يقتنع به”.

وتكمن خطورة هذه السرديات في أنها ستنتهي بنا إلى دكتاتوريات جديدة تدفع السلطات إلى أن تكون وصية على الحقوق، وهنا الدولة ليست مخطئة لأن مواطنيها الذين لم يصلوا بعد إلى مرحلة الإيمان بالمواطنة وقيمها استشعروا خطرا ما وطالبوها بحمايتهم منه.

ولنا في التاريخ الكثير من الأمثلة التي مهد فيها رفض الاختلاف لاضطهاد واستعباد البشر، فقبل الحرب العالمية الثانية على سبيل المثال كانت صحف الدعاية النازية ترفع يافطة “اليهود هم حظنا السيء”، وبالفعل تم ترسيخ تلك الفكرة في عقول الموالين للنازية والمناهضين لها على حد السواء لتشهد بعد ذلك البشرية مجازر ومذابح بحق اليهود لا لشيء إلا لأنهم يعتنقون دينهم المختلف عن دين الآخرين.

أما اليوم، فيُضطهد المثليون واللادينيون وغيرهم لا لشيء إلا لأنهم يمتلكون نظرة مغايرة للأشياء وللعالم. نظرة يعتبرها المتعصبون لأطروحاتهم ونظرياتهم خطرا على المجتمع ليكرسوا بذلك دكتاتوريات تتحصن بالدعوات إلى حماية الدين والمجتمع من فساد الأقليات والمختلفين عنا.

24