لندن تتحول إلى مركز للصحافة العالمية

تحذو صحيفة نيويورك تايمز حذو المؤسسات الإعلامية الأميركية التي سبقتها، في ترسيخ مكان لها في العاصمة البريطانية لندن، مما يمنحها فرصة للعمل بجهد مضاعف على خطتها العالمية لتعزيز وتنمية حركة المرور، باستخدام لندن كمركز تحرير، يتحمل مسؤولية مواصلة تحديث وجودها على الويب وأخبار الجوال.
الأربعاء 2015/07/15
التوسع الدولي من المستلزمات التي تهدف إلى تعزيز القدرة التنافسية

لندن - تحولت العاصمة البريطانية إلى مركز لاستقطاب العديد من المؤسسات الصحفية وخاصة الأميركية، خلال عمليات التوسع التي تجريها بهدف تثبيت موطئ قدم لها في أوروبا، بعكس الصورة القاتمة التي ترسمها بعض الصحف ووسائل التواصل الاجتماعي.

تقول إيميلي بيل في مقال لها في صحيفة الغارديان البريطانية، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما تتمّ كتابته على أعمدة الصحافة الوطنية خلال فصل الصيف، التي لمحناها من خلال تطبيقات الدفع المسبق ودعم الوظائف على فيسبوك، لنا أن نلاحظ أنه من المفترض أن تكون لندن الآن مهجورة، في خراب تام، لا تجد فيها سوى البيوت الخالية والشركات المنتهية.

وعلى العكس من هذه الصورة، تشهد أخبار التطورات التي تجريها صحيفة نيويورك تايمز هذه الأيام، متابعة عالية في عالم الصحافة والنشر على الانترنت، نظرا لاتجاهها إلى توسيع وجودها الأوروبي عموما، وحضورها في العاصمة البريطانية بصفة خاصة. ولا سيما بعد تأجير المكاتب في منطقة بلومسبيري بهدف استيعاب ما يصل إلى 100 موظف، وإضافة عدد جديد هام من الموظفين، سواء في صفوف المحررين أو العاملين في القسم التجاري.

ويمنح مكتب نيويورك تايمز في لندن فرصة للمؤسسة الأميركية المرموقة للعمل بجهد مضاعف على خطتها العالمية لتعزيز وتنمية حركة المرور. والهدف من وراء ذلك هو استخدام لندن كمركز تحرير، يتحمل مسؤولية مواصلة تحديث وجودها على الويب وأخبار الجوال. ولكن طموح الصحيفة يتمثل الآن على مستوى تقديم التقارير، يقتصر على محاولة أشياء جديدة، تنبع أساسا من ظلال قسم أخبار الصحيفة الخانق بنيويورك، مع إضافة قدرات الوسائط المتعددة (وسائط الاتصال الجماهيرية) وتقديم التقارير على الشبكة الاجتماعية. وبالتالي فإن مقال “ما هو اللون الحقيقي لهذا الثوب”؟ يصبح قصة جديرة بالنشر في الصحيفة العريقة.

مكتب نيويورك تايمز في لندن يمنح فرصة للمؤسسة الأميركية المرموقة للعمل بجهد مضاعف على خطتها العالمية لتعزيز وتنمية حركة المرور

سوف يقضي رئيس التحرير الأوروبي ديك ستيفنسون، الذي تم تنصيبه في باريس، المزيد من الوقت على متن قطار يوروستار، باعتبار أنه سيقوم بالإشراف على العملية اللندنية الموسعة، فضلا عن المواصلة في تحمل مسؤولية النسخة المطبوعة لنيويورك تايمز الدولية.

أما النجم الصاعد سيويل تشان، نائب رئيس التحرير والمحلل، فإنه في طريقه إلى لندن للإشراف وإدارة العملية الإخبارية الموسعة.

وعلى الرغم من أن الفريق لا يزال صغيرا نسبيا، فإن فريق العمل المكون من أربعة موظفين وثلاثة مراسلين محليين، سيشهد انضمام المزيد من محرري الأخبار والمنتجين وصحفيي الوسائط المتعددة والمحللين. وتتمثل المهمة في استهداف مكانة ضمن المنافسة الرقمية الدولية الجديدة: صحيفة الغارديان، بوزفيد، بي بي سي، و هافنغتون بوست، وبدرجة أقل موقع البوليتيكو الذي قام مؤخرا بافتتاح فرع أوروبي.

وتلعب لندن دورا مهما في ساحة النمو التي تستحوذ على كل الشركات الأصلية على الويب. حيث لم يمض على إطلاق الموقع البريطاني للهافنغتون بوست، سوى أربع سنوات فقط، وهو اليوم جزء هام من الحياة اللندنية، في حين أضاف الفرع البريطاني لبوزفيد، وهو الأحدث في السوق، عشرات من الموظفين، وتتولى النائبة السابقة لرئيس تحرير صحيفة الغارديان، جانين جبسون، مهمة رئاسة التحرير في سبتمبر، كعلامة واضحة على جدية العملية.

تولي جانين جبسون رئاسة تحرير مكتب نيويورك تايمز في لندن علامة واضحة على جدية العملية

ويبدو أن نيويورك تايمز تقوم بمحاولة عكس طريقة البوزفيد، من خلال الاعتماد أكثر فأكثر على الأخبار والفيديوهات الشعبية في تعويض للمضمون الصحفي الجدي الذي كانت تعتمده، بينما استعملت بوزفيد استراتيجية النمو بالاعتماد على الأعمال وهو الآن يعكس الآية بتعويض فيديوهات الرسائل بمقالات صحفية وإخبارية جدية.

ومن دواعى القلق أنه في هذا الوقت الذي تعاني فيه الصحافة المحلية والإقليمية في المملكة المتحدة من عجز في الاستثمار، تشهد لندن تدفق عمليات جديدة للأنباء الدولية، ولكن ذلك هو نتيجة حتمية لاقتصاد النشر الذي لا يعمل إلا على نطاق واسع.

ويبقى التوسع الدولي من المستلزمات التي تهدف إلى تعزيز النمو على الإنترنت، وعلى المحافظة على القدرة التنافسية، في حال حدوث ارتجاج جديد في عالم الأخبار. ولا شك أن نيويورك تايمز قد لاحظت نجاح الغارديان، إيكونوميست، بي بي سي، وفايننشال تايمز، في فرض وجودها في أميركا، وتخطي هافنغتون بوست وبوزفيد لهذه المرحلة نحو إنشاء شبكة رقمية تركز على المدن الدولية.

وليس من المؤكد أن تكون البصمة الثقافية لنيويورك تايمز قادرة على ترجمة صحافتها لتصبح مضمونا أوروبيا وليس مضمونا متعلقا بأوروبا. ومن وجهة نظر اقتصادية، سيكون من العقلانية الامتثال لنصيحة الملاحظين ومغادرة لندن بمفردها، فتكلفة السكن وزيادة المرتبات والمبالغ لإيجار المكتب لا يتماشى بالضبط مع أزمة عائدات الإعلانات التي تمر بها الصحيفة والمستقبل غير المضمون للاشتراكات الرقمية.

ولكن لا تتم إدارة عالم الإعلام بالاعتماد على مبادئ اقتصادية معقولة تماما. إذ أهملت لندن ضرورة الالتحاق بركب توسيع التنمية منذ عدة سنوات، ولم تهتم مطلقا بمجال النشر على الويب منذ نحو عقد.

في السنوات القليلة القادمة، سوف نشهد تغيّرات مصيرية، إذ قد تبرز العاصمة البريطانية كمركز جديد للاستقطاب.

18