لندن تخسر معركة إزالة الجمود الدبلوماسي مع طهران

الخميس 2014/10/02
طهران ترفض إعادة المياه إلى مجاريها مع لندن

طهران - عقّد البرلمان الإيراني من مهمة رئيس الوزراء البريطاني الهادفة لرسم خارطة جديدة للعلاقات الدبلوماسية مع طهران، مشترطا في ذلك تقديم اعتذار صريح من ديفيد كاميرون للنظر في إمكانية رفع مستواها مجددا، وهو ما جعله يصطدم بعقبة غير متوقعة تعيد مساعي بلاده إلى المربع الأول مرة أخرى.

رفض البرلمان الإيراني المعروف بـ”مجلس الشورى” إعادة رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا في خطوة اعتبر متابعون أنها متوقعة.

فقد أوصت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الذي يسيطر عليه المحافظون المتشددون في بيان لها نشرته في وقت متأخر، أمس الأول، وزارة الخارجية ألا ترفع مستوى العلاقات مع بريطانيا.

واعتبرت اللجنة أن إعادة العلاقات مع لندن في الوقت الحاضر خطوة خاطئة إذا لم يقدم كاميرون اعتذارا للشعب الإيراني، وذلك بحسب ما أوردته وكالة «فارس» الإيرانية للأنباء.

ولم تشر الوكالة في تقريرها إلى عدد المعارضين أو المؤيدين للإقدام على هذه الخطوة من اللجنة البرلمانية الإيرانية، لكن الأرجح أن يكون المتشددون الذين لطالما وصفوا بريطانيا بـ”الثعلب القديم” هم من أصروا على ذلك الرفض.

ويعتبر هذا الإجراء، بحسب مراقبين، بأنه جاء عكسيا بالنسبة لبريطانيا خصوصا بعد بوادر حسن النية بين البلدين التي تبلورت في اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس الإيراني حسن روحاني ورئيس الوزراء البريطاني كاميرون، الأسبوع الفارط، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في نيويورك في دورتها الـ69.

وللإشارة فإن لقاء روحاني بكاميرون هو الأول بين زعيمي البلدين منذ انقطاع العلاقات بينهما منذ الثورة الإيرانية الذي قادها الخميني وأطاح بالشاه في العام 1979.

يتوقع محللون أن تتطور العلاقات الإيرانية البريطانية نحو مزيد من الفتور بسبب الانتقادات الأخيرة المتبادلة بين الجانبين

فقد كالت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في بيانها الاتهامات للمسؤولين البريطانيين بارتكابهم جرائم في حق الإيرانيين إذ جاء في البيان إن “الخيانات والجرائم التي ارتكبها الساسة البريطانيون خلال العقود الماضية لن تمحى من ذاكرة الشعب الإيراني”.

كما اتهمت اللجنة في بيانها الحكومة البريطانية بتأجيج الصراعات الطائفیة بین دول الشرق الأوسط عبر صناعة ودعم الجماعات التي وصفتها بـ”الإرهابیة” مثل تنظيمي “داعش” والقاعدة.

ولم تكتف اللجنة بذلك بل اعتبرت أن الوضع السياسي والاقتصادي الذي وصفته بـ”المتدهور” لبريطانيا هو الذي دفع برئيس وزرائها إلى إطلاق تصريحات تعبر عن إحباطه في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وعقب هذا الإعلان، لم تصدر من لندن أي تصريحات عن مسؤوليها بخصوص هذا الموقف الذي اتخذته المؤسسة التشريعية في إيران.

ولطالما اتسمت العلاقات بين البلدين بالفتور والتوتر طيلة العقود الماضية حيث مرت بمحطات شد وجذب على خلفية قضايا ثنائية وملفات ذات طبيعة دولية.

وكان كاميرون قد اتهم إيران في خطابه أمام الجمعية العامة، الأسبوع الماضي، بدعم المنظمات الإرهابية، في إشارة إلى التنظيمات “التكفيرية” التي تنشط في العراق وسوريا وعلى رأسها تنظيم “الدولة الإسلامية” المعروف بـ"داعش".

حسن روحاني: خطاب كاميرون يظهر استمرار الموقف الأناني تجاهنا

كما اتهم النظام الإيراني بأنه يسعى نحو امتلاك برنامج نووي غير سلمي قد يؤثر على التوازن السياسي في منطقة الشرق الوسط، فضلا عن الطريقة السيئة التي يعامل بها النظام شعبه. لكنه ورغم تلك الاتهامات فإن كاميرون أبدى ليونة عبر إمكانية التحاور مع الإيرانيين وفق المصالح الاستراتيجية التي يتطلبها الظرف الحالي حيث قال خلال كلمته “يجب أن نعطى إيران فرصة كي تظهر أنها قادرة أن تسهم في حل الأزمة السورية، وبإمكان القادة الإيرانيين أن يساعدوا في دحر تهديد تنظيم “الدولة الإسلامية” المتطرف”.

في المقابل، انتقد روحاني تصريحات رئيس الوزراء البريطاني، بعد أسبوع من لقائهما حيث قال “من غير المقبول ومن الخطأ لكاميرون بعد غضون ساعات من اجتماعنا في نيويورك أن يقول إن إيران جزء من المشكلة في الشرق الأوسط وأنها بحاجة لتغيير لدعمها تنظيمات إرهابية".

واستطرد قائلا إن “خطاب كاميرون يظهر استمرار الموقف الأناني من الحكومة البريطانية التي لها تاريخ لمن يسبب مشاكل في منطقتنا".

وكانت لندن قد خفضت مستوى العلاقات الدبلوماسية مع إيران منذ عامين إثر اقتحام متشددين إيرانيين السفارة البريطانية في العاصمة طهران، لكن تقارب البلدين بدأ يتضح أكثر على إثر انتخاب الإصلاحي المعتدل روحاني رئيسا لإيران في يونيو العام الفارط.

وقد توج ذلك التقارب “المحتشم” بسبب التباين في المواقف بين البلدين على العديد من الأصعدة باعتماد قائمين بالأعمال في نوفمبر من العام الماضي حيث تولت السويد رعاية مصالح المملكة المتحدة، فيما رعت سلطنة عمان المصالح الإيرانية.

ويرى مراقبون أن تعليق إيران رفع مستوى العلاقات الدبلوماسية سيعقد من المساعي البريطانية الرامية إلى تقريب وجهات النظر المتباينة بين البلدين لاسيما فيما يتعلق بمحاربة المتشددين وقطع دابر التطرف الذي غزا الشرق الأوسط.

لكنهم أشاروا، في الوقت نفسه، إلى أن ذلك سيقطع الطريق أيضا أمام حكومة روحاني في بلوغ أهدافها لتصبح صعبة المنال على الأقل في الوقت الحاضر من خلال مساعيها “الخبيثة” نحو إبرام صفقة مقايضة لمساعدة التحالف الدولي ضد “داعش” مقابل تغاضي الغرب عن امتلاكها لأجهزة الطرد المركزي بهدف تخصيب اليورانيوم لصناعة قنبلة نووية.

وبين بريطانيا وإيران تاريخ مضطرب من العلاقات يرجع إلى فترة المصالح النفطية البريطانية في إيران والدور الأميركي البريطاني في الإطاحة برئيس الوزراء القومي المنتخب ديمقراطيا محمد مصدق عام 1953.

والجدير بالذكر أن لندن وطهران قامتا بتطبيع العلاقات بينهما عام 1999 أي بعد عشر سنوات من الفتوى التي أصدرها المرشد الأعلى الراحل الخميني بإهدار دم الكاتب البريطاني سلمان رشدي بسبب روايته الشهيرة “آيات شيطانية”.

5