لندن تراجع مواجهتها للتطرف.. متى تفعل مراجع المسلمين ذلك؟

اعترفت رئيسة الوزراء البريطانية، غداة هجوم لندن الإرهابي، بأن بريطانيا أخطأت حين تسامحت كثيرا مع المتطرفين، وأن التمسك المفرط بـ”حقوق الإنسان” و”الديمقراطية” في التعامل مع الإسلاميين اللاجئين والهاربين والعائدين يأتي في مقدمة الأجوبة عن الأسئلة حول التهديدات الإرهابية التي تضرب المملكة المتحدة. وجاء هجوم لندن بعد مدة وجيزة من هجوم إرهابي آخر في مانشستر وقبله هجوم في وستمنستر بدا مدوّيا بدرجة زعزعت السياسة التي اتبعتها بريطانيا لسنوات طويلة ودفعتها نحو مراجعة مواجهتها للتطرف؛ وهي مراجعة حتمية للتعامل مع ظاهرة واردة من بيئة إسلامية هي أيضا في حاجة إلى مراجعة أشمل وأعمق، لأنها تواجه مضاعفات مزدوجة للإرهاب، فهي متهمة بتصديره دون أن تسلم من دمويته.
الخميس 2017/06/08
آثار الجريمة مازالت واضحة

لندن - من نفذ اعتداءات السبت الماضي في لندن لا يختلف في عقيدته وجذوره الفكرية عن أولئك الذين نفذوا تلك في 11 سبتمبر الشهيرة كما تلك في المدن العربية والإسلامية كما تلك التي استباحت دم الأقباط في المنيا مؤخرا.

وما يختلف بين كل جريمة وأخرى يكمن في هوية المنفذين ووسائل تلك الجريمة وأدواتها. وبالتالي فإرهابيو تنظيم داعش كما أولئك التابعون لتنظيم القاعدة أو الجماعات المحلية التابعة للبغدادي والظواهري، لا يسعون إلى حرب بين شرق وغرب ولا إلى جهاد المسلمين ضد الأمم الأخرى، بل يعملون على خلق حالة عبث وفوضى في أي مجتمع يعيشون فيه، ويسعون إلى تدميره بصفته وجودا كافرا يتناقض مع البيئة “الإيمانية” التي يروّجون لها أساسا لدولتهم “الإسلامية” الفاضلة.

على أن تلك الجماعات التي نتجت عن أورام كبُرت ونمت مترعرعة من اضطراب سياسي اقتصادي يجتاح الشرق الأوسط، والتي وجدت فضاء رحبا لها منذ الفوضى والفراغ اللذين سبّبهما “الربيع العربي”، تحركت في بريطانيا مستغلة خصوصية في مضمون وشكل المنظومة الملكية البريطانية وأدواتها، بحيث استفادت بحدود قصوى من روحية التشريعات المعمول بها في هذا البلد، والتي، ووفق فلسفة تعدد الثقافات ونموذج العيش وفق هذه التعددية، أتاحت تنامي شبكة من المنابر والمساجد والجمعيات ووسائل الإعلام التي كثرت داخلها ظواهر التشدد كما مظاهرها.

الإرهاب لا يفرق

لكن عندما تكثر “الذئاب المنفردة” فذلك يعني أن الإرهاب أصبح جماعيا حتى لو كانت ممارسته تأتي منافية لقواعد الإرهاب التقليدية في التنظيم والتسلح والتخطيط والتنفيذ. وعندما تتكرر الاعتداءات الإرهابية في بريطانيا، فإن سؤالا عاجلا يطرح نفسه: لماذا بريطانيا؟

على أن الحكمة تقتضي ألا يستغرق المراقب كثيرا في الحفر وفق رؤية “مؤامراتية” تروم استنتاج أغراض أخرى، من خلال المكان والزمان، تختلف عن أغراض الإرهاب الحقيقي في تقويض كل النظام المجتمعي والسياسي خارج البيئة التي ينطلق منها. فمنذ “الفرقة الناجية” يعامل الإرهابيون البشرية خارج تلك الفرقة بعقيدة لا تفرق بين عرب وعجم وبين كبير وصغير ولا بين الأعراق والجنسيات والهويات.

وعلى الرغم من تفاخر بريطانيا بنظامها التشريعي والسياسي المتسامح مع تعايش البريطانيين داخل فضاءات اجتماعية متعددة، فإن لندن استفاقت قبل سنوات على حقيقة أن عدد البريطانيين المقاتلين في صفوف داعش هو الأكبر مقارنة بالمقاتلين الذين صدّرتهم دول أوروبية أخرى، كما استفاقت على حقيقة أن التسامح في احترام الثقافات والخصوصيات أفضى إلى تخصيب مريح لفكر التكفير والتشدد والتطرف والإرهاب الذي خّرج المئات من الجهاديين يتم تصدير جلّهم نحو “أرض الإسلام” فيما ينشط آخرون محليا وفي الوقت المناسب في “أرض الكفر”.

معضلة شائكة

لطالما استغرب المسلمون الزائرون لهذا البلد قبول السلطات بسلوكيات ومشاهد يمارسها مسلمون في بريطانيا تشي بالتشدد والتطرف وقد باتت (أي السلوكيات) محظورة داخل الدول الإسلامية نفسها، ومع ذلك تعاملت الحكومات البريطانية المتعاقبة مع الأمر بصفته أعراضا تتصل بحرية التعبير وحرية المعتقد طالما أنها لا تشكل تهديدا مباشرا وملموسا.

تكشف هوّية إرهابيي ليلة السبت عن حكاية أخرى من حكايات الإجرام، لكن المعلومات المتعلقة بمنفذ عملية مانشستر الانتحارية الشهر الماضي تختصر خلاصة الإشكالية البريطانية التي تستنتجها لندن هذه الأيام وتقرّ بها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.

المراجعة تبدو حتمية للتعامل مع ظاهرة واردة من بيئة إسلامية يكثر فيها ضجيج المراجعات دون حجيج كثير

تروي المعلومات أن المنفذ ترعرع في بريطانيا وهو ابن ليبي كان قياديا داخل “الجماعة الإسلامية المقاتلة”، وهي تشكيل تابع لتنظيم القاعدة كان يعمل ضد نظام معمر القذافي، وأن هذا الوالد عاد إلى بلاده بعد سقوط النظام وبقي وفيا لمعتقداته كما لتنظيمه، بما يعني أن “الحقبة البريطانية” لم تغيّر من قناعات الرجل ولا أثّرت في الخيارات التربوية المتعلقة بأبنائه، كما أن تلك الحقبة نفسها أتاحت دون عائق قانوني كبير إنتاج التشدد داخل العائلة لدرجة خروج إرهابي ينشد الجنة عن طريق قتل البشر والفرح في قاعة للعروض الموسيقية. ولا يمكن تحميل بريطانيا مسؤولية ظاهرة عالمية عابرة للحدود.

المعضلة شائكة، معقدة ومتعددة المداخل بحيث لا يمكن اختصارها. بيد أن هذا البلد الذي عبّر استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي منذ عام عن انقسام مجتمعي داخله وتصدّع في منظومة القيم السياسية والاجتماعية التي ينتهجها، يواجه في الأسابيع الأخيرة محنة الإرهاب بصفته نتاج سياق قديم في التعامل مع ظواهر الأصولية من جهة، وبصفته يتجاوز قدرات ومواهب أجهزة الأمن الشهيرة بنجاعتها وفعاليتها وتقدمها مقارنة بكبريات الأجهزة الدولية.

ومن ذلك التصدع تتسرب محنة تعايش بريطانيا مع الإسلام والمسلمين بنسخة القرن الحادي والعشرين. بريطانيا حريصة على اعتبار نموذجها السياسي الثقافي الاجتماعي متفوقا، بما في ذلك قدرته على “دمج” الإسلام بصفته مكونا طبيعيا تحت التاج الملكي البريطاني.

وحريصة على تسويق هذا التفوق بصفته مسوغا لقرار البريطانيين “هجرة” الاتحاد الأوروبي والخروج من “سطوة” بيروقراطيي المفوضية الأوروبية في بروكسل. لكن سلسلة الاعتداءات الإرهابية التي شهدتها البلاد مؤخرا عجّلت بتكبير شقوق هذا التصدع إلى درجة أن تيريزا ماي، التي تخوض انتخابات مفصلية الخميس تقرر مستقبلها السياسي، تدعو إلى الكثير من “المراجعة”.

ولطالما تنافس نموذج التماثل والاندماج في العالم الغربي مع نموذج التعدد الثقافي المجتمعي المعمول به في دول كبريطانيا والولايات المتحدة. لا يبدو أن “التماثلية” قد نجحت ولا يبدو أن “التعددية” بالمعنى الأنغلوساكسوني قد صمدت بعد حدثيْ ترامب رئيسا والبريكست. وعليه فإن المراجعة التي تدعو إليها ماي في عمل أجهزة الأمن ستنسحب على فلسفة التعايش البريطاني نفسها.

بريطانيا تراجع نفسها

يكفي تأمل تغريدات البريطانيين أنفسهم على موقع تويتر بعد دقائق على شيوع نبأ الاعتداءات لاستنتاج الانقسام في فهم جريمة تستهدف البلد وناسه. تراوح مزاج البريطانيين في تلك التغريدات بين تحميل المسلمين وزر الإثم وبالتالي الدعوة إلى رفع الأسوار في وجههم، وبين تبرئة الإسلام من تلك الجريمة والتذكير بأن 99 بالمئة من ضحايا هذا الإرهاب هم من المسلمين. وفي هذه التغريدات أيضا سجال بريطاني بريطاني يقف إسلام اليوم مشدوها عاجزا عن المقارعة داخله.

بلد التسامح عرضة للإرهاب

نعم، بريطانيا تراجع نفسها وهذا بديهي في تطور الديمقراطيات. تبدو تلك المراجعة حتمية للتعامل مع ظاهرة واردة من بيئة إسلامية يكثر فيها ضجيج المراجعات دون حجيج كثير. بالمقابل تقف المراجع الإسلامية موقف المدين والمستنكر لتلك الجرائم تماما كما هو موقف المراجع غير الإسلامية.

تعتبر مراجع المسلمين أن الإرهابيين لا يمثلون الإسلام، فيما لا يعرف العامة في العالم من يمثل هذا الإسلام؟ فإذا ما تقصّد إرهابيو بريطانيا الضرب في الأماكن الشهيرة (مجلس العموم، مانشستر آرينا، لندن بريدج) التي تجعل من إسلامهم أكثر شهرة في العالم، فإن ممثلي “الإسلام الصحيح” مجهولين لا يفقه العالم لشأنهم ولا يدرك صدق وقعهم.

وإذا ما كان الإرهابيون ينهلون ببساطة من فقه الإسلام والمسلمين، فإن المراجعة المفقودة مازالت ترتبك أمام تراث عاث فيه الزمن تشويها، بحيث باتت “صحة” الدين وجهة نظر لا يمكن للعالم أجمع أن ينتظر قرونا أخرى قبل أن يتفق أهل الدين الحنيف على ما هو صحيح مما هو زيف دخيل على متن الدين وهوامشه.

هؤلاء الإرهابيون حانقون ببساطة على “الإسلام الصحيح” الذي تدّعيه المراجع الرسمية للمسلمين، وبالتالي فإن حقيقة الصراع هي داخل هذا الدين. وإذا ما كان الأمر حربا، فحري بالمدافعين عن الدين في سماحته ووسطيته واعتداله أن يشهروا أسلحة الحرب وخوض تلك الحرب بالفعل لا بالقول وكثرة بيانات التنديد.

قد يجوز الاعتقاد أن بريطانيا ومنذ اعتداءات 7 يوليو 2005 الشهيرة قد قطعت مع سياسة الاحتواء التي اعتمدتها مع “الجماعات”، فسجنت وسلّمت وأبعدت وجوه الجهاد ونجومه عن ديارها. وقد يجوز الاعتقاد بأن لندن تقطع مع تكتيك استخدام الدين في السياسة الخارجية باتجاه المراجعة التي تطالب بها ماي.

على أنه لا عذر يحول دون قيام الإسلام بمراجعة نفسه وتعديل أداء وجوهه وتنقية هوامشه ونصوصه. والمهمة سهلة، ذلك أن تلك الجماعات لا تدعي العمل من أجل تحرير فلسطين وهي غير معنية بتصفية حساب مع الاستعمار القديم ولا شأن لها بإقامة الديمقراطيات وإطلاق الحريات على النحو الذي لطالما أقلق سابقا عتاة الحكم كما عتاة الدين.

كاتب سياسي لبناني

6