لندن مهددة بفقدان نفوذها الدولي جراء تكتمها على ملفات كبرى

الاثنين 2015/02/23
مواقف بريطانيا في ما يتعلق بتسليح المعارضة السورية والقوات الأوكرانية تتسم بالتلكؤ والضبابية

لندن - التأثير الذي تملكه بريطانيا في رسم المسارات السياسية الدولية، لطالما جعل منها دولة ذات نفوذ قوي، خاصة في ما يتعلق بمعاضدتها للخيارات التي تمضي حليفتها (الولايات المتحدة) في تطبيقها سواء في زمن الحرب أو في زمن السلم. غير أنّ أنصاف المواقف التي صدرت عن لندن حيال العديد من القضايا الدولية وتحفظها أو تكتّمها حيال العديد من الملفات الراهنة الأخرى بدأ يهدّد بفقدانها لنفوذها ذاك، ويؤثّر على علاقتها مع الولايات المتحدة.

بدأ تكتم لندن حيال ملفات مثل أوكرانيا أو الشرق الأوسط، يزرع البلبلة في بريطانيا حيث تتساءل وسائل الإعلام إضافة إلى نواب ومسؤولين عسكريين عن قدرة بلادهم على التفوق على المسرح الدولي، والأخطر من ذلك أيضا عن رغبتها في تحقيقه.


نفوذ متراجع


في تقرير نشر، مؤخرا، اعتبرت لجنة الشؤون الأوروبية في مجلس اللوردات أنّ الحكومة البريطانية، برئاسة المحافظ، ديفيد كاميرون، “لم تكن نشطة أو حاضرة بالحدّ الذي كان يفترض بها أن تكون عليه” في محاولة حلّ الأزمة الأوكرانية.

ومن دون استثناء الاتحاد الأوروبي، اعتبرت اللجنة من جهة أخرى أنّ بريطانيا ارتكبت “خطأ كارثيا في تفسير هذه الأزمة”.

وقال دوغلاس الكسندر، المسؤول عن الدبلوماسية في حزب العمال المعارض، بدوره، إنّ “ديفيد كاميرون كان مسؤولا عن أكبر خسارة نفوذ بريطانية في أوروبا منذ جيل”.

وتضمنت افتتاحية صحيفة “الغارديان”، اليسارية، التي كتبها، نيك كوهين، نقدا لاذعا لسياسات كاميرون، الذي يطمح للفوز في انتخابات مايو المقبل، حيث أكّدت “ألاّ أحد يهتم بما يفكر فيه كاميرون ولا يتوقع منه أحد كذلك دعما ولا حتى حلولا”.

وعلى الرغم من أن بريطانيا لا تتوقف عن الدعوة إلى الحزم حيال موسكو، إلا أنها لم تشارك في مفاوضات مينسك التي أدّت في 12 فبراير الجاري، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الحكومة الأوكرانية من جهة والانفصاليين الموالين لروسيا في شرق البلاد من جهة أخرى، والذي يتعرّض للانتهاك منذ ذلك الوقت.

دوغلاس الكسندر: ديفيد كاميرون كان مسؤولا عن أكبر خسارة نفوذ بريطانية في أوروبا منذ جيل

حتى أن مشاركتها في التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، اقتصرت على طلعات استطلاعية في أجواء سوريا وتنفيذ بعض الضّربات في العراق.

وأثار حادث جديد وقع، بداية الأسبوع الماضي، عندما لامست طائرات عسكرية روسية المجال الجوي البريطاني، ردود أفعال مقلقة حيال التجهيزات العسكرية التي تملكها المملكة المتحدة. واعتبر، مايكل غريدون، قائد سلاح الجو البريطاني سابقا أن بلاده باتت “تحت رحمة” موسكو، منددا بسياسات التوفير التي اُعتمدت في موازنة الدفاع في السنوات الأخيرة.

الطلعات الروسية، التي تعني أيضا دول البلطيق أو فنلندا، قالت صحيفة دايلي تلغراف أنّها “تطرح سؤالا جوهريا حول معرفة ما إذا كان العسكريون البريطانيون مجهزين بشكل صحيح للدّفاع عن مصالح الأمة”.

ومنذ 2010 ووصول الائتلاف بين المحافظين والديمقراطيين الأحرار إلى السلطة، أُلغيت حوالي 30 ألف وظيفة في الجيش البريطاني، في حين أضحى البلد يملك 18 مدمّرة وفرقاطة وسبعة أسراب قتالية، مقابل 33 آلية سنة 1990″.

ورأى، ايان بوند، الخبير بـ”مركز الإصلاح الأوروبي” بلندن، أنّ الاقتطاعات التي لحقت الموازنة العسكرية تعكس “فقدان الحماسة” الذي بدت تتسم به لندن حيال الملفات الدولية الكبرى في الأشهر الأخيرة.

ويخوض المحافظون وحزب العمال منافسة حادّة استعدادا للانتخابات المقبلة، ولا يرغب أيّ مسؤول من المُعَسكَرَيْن في جذب نفور الفئة الناخبة “المتحفظة جدا حيال أيّ تدخّل خارجي”، وفق تعبير ايان بوند.

وكان رئيس الوزراء السابق، توني بلير، قد التزم بالوقوف إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب التي شنتها في العراق في 2003، وكذلك في التدخّل في أفغانستان، حيث فقدت بريطانيا 453 عسكريا في غضون 13 عاما، وهو الأمر الذي ترك أثره ولا يزال عالقا في أذهان البريطانيين بشكل سلبي جّدا.

ورغم رفض البرلمان البريطاني التصويت في نهاية أغسطس 2013 على التدخل في سوريا بعد هجوم النظام السوري بالسلاح الكيميائي على المعارضة المسلحة، مما أوحى لمراقبين حينها بأنّ بريطانيا أضاعت بوصلتها الدولية ولم تعد قادرة على اتخاذ القرارات الجريئة لمؤازرة حلفائها وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأميركية، إلاّ أنّ مجلة “ذي إيكونوميست” أشارت إلى أنّ بريطانيا مازالت تضطلع بمسؤولياتها داخل حلف شمال الأطلسي وستتولى في 2017 قيادة القوة الجديدة التي تعدّ خمسة آلاف رجل، وستنتشر في شرق أوروبا ردّا على التهديد الروسي.

وأضافت المجلة أنّ “إشارة إيجابية أخرى تكمن في تعدّد المشاريع المشتركة المنبثقة من معاهدة الدفاع الفرنسية البريطانية للعام 2010، التي تعترف بمصلحة مشتركة لمواصلة الاضطلاع بدور عالمي بوسائل أقل”.

مجلس اللوردات اعتبر أن بريطانيا ارتكبت خطأ كارثيا في تفسير الأزمة الأوكرانية


علاقة بريطانية أميركية مهتزة


أوضح ستيفن ارلنغر، رئيس مكتب لندن لصحيفة نيويورك تايمز، في مداخلة ألقاها خلال حوار نظمه المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، تشاتام هاوس، حول نوعية العلاقات بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الوقت الراهن والتحديات التي يمكن أن تواجهها، أنّ العلاقة بين الطرفين يغلب عليها الاهتزاز نوعا ما، خاصّة من جانب الولايات المتّحدة التي يبدو عليها الانشغال والقلق، مشيرا إلى أنّ المملكة المتّحدة تمر حسب رأيه، بنوع من أزمة الهوية الطويلة التي لن تنتهي على المدى القريب، وسط تساؤلات كثيرة تتعلّق ببقائها داخل الاتحاد الأوروبي ومدى رغبتها في لعب دور أكبر في العالم. كما أضاف أنّ من بين أسباب التوتّر الأخرى بين المملكة المتحدة والولايات المتحد، أنّ بريطانيا فقدت الإيمان بالزّعامة الأميركية للعالم، وهو ما يطرح سؤالا محوريا مفاده، هل البلدان مستعدان كما كانا في السابق لممارسة السلطة؟

وفي ما يتعلق بهيكلة العلاقة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أقرّ النائب البريطاني، ليام فوكس، بوجود تضامن أساسي في جوهر العلاقة، يتعلق بالبعد الاستخباراتي، وقد حافظ هذا البعد على نفس القدر من المتانة مثلما كانت على الدوام. لكن في ما يخص القدرة العسكرية، ألمح إلى أنّ هنالك تبعات على المدى البعيد تتعلق بقدرات البلدين وبكيفية تعاملهما مع عجز كبير محتمل في الموازنات.

وأوضح فوكس أنّ حلف الناتو يوجد في صميم تلك المسألة، مشيرا إلى أنّ المشكل يتمثل في أن الكثير من الشركاء في الحلف غير مستعدّين لتوظيف أموالهم تماشيا مع تصريحاتهم، فهم، حسب تعبيره، يريدون الحصول على شهادة التأمين دون دفع التكاليف، لافتا إلى أنّ صبر دافع الضرائب له حدود في تلك المسألة، لكن في الوقت نفسه يجب ألّا تكون واشنطن متلكئة خاصة وأنها تنظر إلى الاتحاد الأوروبي والناتو على أنهما مترادفان على كلّ حال. وأضاف أنّ المشكل يكمن في هذه النقطة بالذات لأنّ المعاملات الاقتصادية مع أوروبا لن تتواصل كما كانت عليه في السابق، فأوروبا غير متجانسة وتواجه أزمة محتملة تخصّ منطقة اليورو (يمكن أن تندلع في أي وقت) كما أنّها تفتقر إلى هيكلة أمنية.

وشدد ليام فوكس على أهمية كل أنواع العلاقات والتحالفات خاصّة في “عالم لست أنت من يقوم بتسيير الأحداث فيه بل في معظم الأحيان الأحداث هي التي تأخذك معها”، على حدّ قوله. لذلك يجب بناء علاقات متماثلة –من علاقات ثنائية وتحالفات بين من هو مستعد لذلك- كما يجب العمل في إطار هياكل أوسع موجودة وبناء هياكل جديدة حسب المقتضيات، لافتا إلى أنّ السرعة والمرونة هما مفتاح النجاح في عصر العولمة.

ستيفن ارلنغر: بريطانيا تمر بنوع من أزمة الهوية الطويلة التي لن تنتهي على المدى القريب

النائب البريطاني، مايك غايبس، أقرّ بوجود مشكل أعمق وعبّر عن موافقته لرأي ستيفن ارلنغر حول أزمة الهوية، لكنّه يرى أيضا أنّ هناك مسألة سياسية تتعلق بالزعامة السياسية والرأي العام. ويفسر كلامه بوجود خطر واضح يتمثل في ما يمكن تسميته ‘ألمنة’ السياسة البريطانية، بمعنى النظر إلى الداخل والهوس بالذات، وفي ذات الوقت غياب ثقة الجماهير وترددها في مساندة التدخل أو القيام بدور خارجي، لطالما كان البريطانيون يقومون به تاريخيا. ويقول إنّ هذه المسألة لن تُحلّ بسهولة، وعلى الرّغم من أنّ الانتخابات العامّة المقبلة قد تكون فرصة للتغيير، إلاّ أنّه لا يتوقع أن يحصل ذلك بل سيبقى الوضع على ما هو عليه لفترة.


تباين في وجهات النظر


أكّد المشاركون في الحوار الذي نظّمه المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدولية، تشاتام هاوس، أنّ أهم ركائز البناء في العلاقة الثنائية (وهي الاستخبارات والجيش ومحاربة الإرهاب) ستبقى أحد الجوانب الأساسية في العلاقة بين الولايات المتحدة وبريطانيا في المستقبل.

وذكر ليام فوكس بأن تشرشل كان أوّل من استخدم عبارة “علاقة خاصة” في خطابه بمدينة فولتن، لافتا إلى أنّ تشرشل كان زعيما زمن الحرب وفهم جيدا أن تبادل المعلومات شيء أساسي لتقاسم الأمن، وقد بقيت العلاقة على حالها تلك إلى يومنا هذا. ولاحظ أنّ العلاقة الوطيدة بين بريطانيا والولايات المتحدة تطرح بعض التوترات مع البعض من الشركاء الآخرين في القارة الأوروبية، لكنّها علاقة مهمّة جدا لسلامة مواطني البلدين ولا غنى عنها على مدى المستقبل المنظور.

كذلك حظيت مسألة اختلاف نظرتي الولايات المتحدة وبريطانيا تجاه مسألة تنظيم “داعش” أو “الدولة الإسلامية” الذي يشن حربا في العراق وسوريا في نفس الوقت، باهتمام الباحثين، ففي حين أنّ الولايات المتحدة ترى أن الصراع ضدّ الإرهاب واحد في العراق كما في سوريا، تبدو بريطانيا مستعدة للتدخل في العراق دون سوريا الّتي تراها أمرا مختلفا. وهو ما يطرح سؤالا آخر مفاده؛ هل أنّ هذا الاختلاف في المقاربات تجاه التعامل مع تنظيم “الدولة الإسلامية” سيكون مصدرا للتوتر المتزايد، وهل سيعكس مشكلا أعمق؟ سؤال حاول مايك غايبس الإجابة عليه من خلال قوله إنّ موقف رئيس الوزراء البريطاني المتردّد في التوجه إلى سوريا بعد انتخابات السنة الماضية، ينمّ عن عدم منطقية المحاولة لهزم “خلافة” تعمل في طرفي الحدود، وتتخذ مدينة الرقة السورية مركزا لها ولها طموحات لا تقتصر على سوريا والعراق بل وتمتد كذلك إلى لبنان والأردن وغيرهما. ويرى أنّه يجب هزم هذا التنظيم حيثما كان، وأنّه على البريطانيين وغيرهم لعب دور لفعل ذلك في سوريا وفي أيّة منطقة أخرى من العالم.

ويرى مراقبون أنّ بريطانيا أضحت اليوم مطالبة بأن تحدد مواقفها بدقة من القضايا الكبرى التي يشهدها العالم؛ انطلاقا من الحرب على داعش والإرهاب بصفة عامة وصولا إلى الأزمة الأوكرانية، حتى يتسنى لها أن تحافظ على ما تبقى لها من تأثير ونفوذ على الساحة الدولية عموما.


اقرأ أيضا


أخطاء أوروبية تزيد من عمق الأزمة الأوكرانية

6